الصمود الخليجي

جمال الكشكي
وسط ضباب كثيف وزلازل جيوسياسية وإغارات خارجية، يقف الإقليم العربي في لحظة فاصلة، فقد بات حتمياً التفكير خارج الذاكرة الكلاسيكية، والبحث عن أفق جماعي، يحمي ويصون الأمن القومي العربي، ويحمي المقدرات والثروات والبشر.. فهذا الإقليم على مدى عقود طويلة كان رهينة لرؤية تنبع من خارجه، تتقاذفه أحياناً، وتعرقل مساره في أحيان أخرى، وقد حان الوقت ليتخلص من إرث ثقيل، صاغته عقول قد لا تنتمي إلى جوهر الإقليم.
إن اللحظة التي تمر بها المنطقة العربية، تكشف بل وتؤكد أن الأشقاء في دول الخليج أثبتوا في هذه التجربة، أنهم كتلة واحدة قادرة على مواجهة التحديات الكبرى بحكمة وقوة وإدراك عميق، فالأشقاء في الخليج لم يكونوا طرفاً في هذه الحرب، لكنهم تأثروا بأصدائها الفادحة، ولم ينخرطوا في ردود أفعال غير محسوبة، بل إنهم تعالوا على الجرح وتمسكوا بأفق سياسي خلاق، يحافظ ويصون المقدرات والشعوب والمكتسبات التاريخية في الاقتصاد، والحفاظ على الدور الإقليمي والعالمي من حيث التأثير السياسي.
لا شك أن دول الخليج الشقيقة تمثل عصب الطاقة العالمية وشريان التنمية، ومن ثم فمن غير المقبول الاعتداء الإيراني غير الشرعي على مقدرات هذه البلاد التي لم تسهم ولم تفكر في حرب بهذه المنطقة، بل سعت إلى السلام الإقليمي والحفاظ على الشعوب على مدى حقب طويلة، اهتمت ببناء نفسها وسط عالم مضطرب، واستطاعت أن تحافظ على مكانتها الدولية.
إن هذه المنطقة تمثل جزءاً استراتيجياً مهماً من الإقليم العربي، وقد تجلي ذلك في أكثر من محطة صعبة مرت على المنطقة، ومن ثم تنظر مصر إلى الأشقاء في الخليج نظرة الشراكة في المصير والوجود، ودائماً تؤكد مصر أن الخليج جزء من الأمن القومي المصري، بل إنه دائرة مهمة من دوائر الاستقرار، وأن أي مساس بأمن الخليج هو مساس مباشر بالأمن القومي العربي الشامل، وهو موقف مصري عميق لا يتغير تحت أي ظرف، وقد تجلى ذلك في البيانات الرسمية والمواقف الدبلوماسية، والزيارات الرئاسية، وسط الأحداث، الأمر الذي يؤكد متانة الروابط بين مصر والأشقاء في الخليج.
إن المنطقة العربية، نجحت في مواجهة التحديات الراهنة، بفضل العقول الراجحة التي تنظر بشمول إلى هذه الخريطة من العالم، في لحظة غير مسبوقة، في أخطارها وتحدياتها.
إن حكمة القادة والزعماء العرب هي التي تحمي مقدرات هذه الخرائط من أي سيناريوهات محتملة لصناعة الفوضى، فلا يمكن في مثل هذه اللحظات أن نغفل مخططات إقليمية ودولية، تعمل على ضرب عصب الاقتصاد العالمي، من خلال إشاعة الحروب والفوضى والحروب الطائفية والمذهبية، واستغلال ضعاف النفوس والأفكار وقوداً للاضطرابات والانشقاق عن الدول الوطنية، كونها منظمات وأحزاباً منشقة عن الدولة الوطنية الأم، وتستلب في بعض الأوقات قرارها في الحرب أو السلام على نحو ما جرى في أكثر من عاصمة عربية، لكن مما لا شك فيه أن الأشقاء في الخليج استطاعوا عبر عقود طويلة، أن يكون مفهوم الدولة الوطنية، أولوية قصوى، ونجحوا في ذلك، حيث إن منطقة الخليج تحظى باستقرار وبمؤسسات فاعلة، ورغبة حقيقية في الانفتاح، ولذلك فإن استقرار الخليج هو مفتاح الاستقرار للأمن القومي العربي، في حين أن كثيراً من الدول العربية الأخرى عانت أمراض الطائفية والمذهبية، فوصلت إلى حالات حرجة، دعت قوى أخرى إلى التدخل في شؤونها، نتيجة الهشاشة المؤسساتية، وهشاشة المجتمع، وانقسامه ما بين طوائف ومذاهب متصارعة.

إن الدروس المستفادة من هذه الحرب بكامل حمولتها، تدفعنا إلى التوقف أمام ضرورة ضاغطة ومُلحة عنوانها: إعادة النظر في جوهر حسابات المستقبل، بشكل عربي جماعي، ينطلق من معبر واحد لا يقبل القسمة على وجهات النظر.



شريط الأخبار