الامارات 7 -
أولي هانسن رئيس استراتيجية السلع في ساكسو بنك
يتجه مؤشر "بلومبرغ للسلع" لتحقيق مكاسب أسبوعية قوية أخرى بنحو 4%، ليرفع إجمالي مكاسبه منذ بداية العام إلى 25%. وكما هو معتاد منذ تصعيد النزاع في الشرق الأوسط، لا يزال قطاع الطاقة هو المحرك الرئيسي لهذا الارتفاع، إلا أن طبيعة هذه المكاسب بدأت تأخذ منحىً متطوراً؛ فبينما واصلت أسعار النفط الخام صعودها قبل أن تهدأ قليلاً على وقع أنباء حول احتمال استئناف المحادثات في إسلام آباد، بات الزخم الأقوى يتركز بشكل متزايد في حلقات لاحقة من سلسلة القيمة، لاسيما في الوقود المكرر مثل الديزل ووقود الطائرات، بالإضافة إلى المواد الأولية للبتروكيماويات والأسمدة.
ويعكس هذا التحول تطوراً جوهرياً شهدته الأسابيع الأخيرة؛ فما بدأ كصدمة في إمدادات النفط الخام نتيجة الإغلاق الفعلي لمضيق هرمز، توسع الآن ليشمل اضطرابات في سلع متعددة. ولم تعد التداعيات محصورة في أسواق الطاقة فحسب، بل امتدت لتطال الإنتاج الصناعي وقطاع النقل، وصولاً في نهاية المطاف إلى أسعار المنتجات الزراعية والغذاء.
وفي أسواق المعادن النفيسة، اتجهت التداولات نحو الانخفاض بقيادة الفضة والبلاتين، بينما ظل الذهب يتحرك ضمن نطاق عرضي يتراوح بين 4,650 و4,850 دولار، في ظل تأثر الدولار وتوقعات التضخم بارتفاع أسعار النفط. أما المعادن الصناعية، فقد شهدت أداءً متبايناً؛ حيث وجد الألمنيوم والنيكل دعماً نتيجة قيود التصدير في منطقة الخليج العربي وإندونيسيا، في حين بدا أن موجة التعافي الأخيرة للنحاس، والتي تعود جزئياً إلى نقص حمض الكبريتيك لدى شركات التعدين، قد بدأت تفقد زخمها مع اقترابها من مستويات مقاومة رئيسية عند 6.15 دولار للرطل.
من الخام إلى المشتقات: أين تتركز الضغوط الحقيقية؟
سجلت أسعار خام برنت وخام غرب تكساس الوسيط مكاسب أسبوعية قوية بنسبة 14% و12% على التوالي، ليصل إجمالي ارتفاعهما منذ بداية العام إلى نحو 80%. ومع ذلك، لا تزال هذه الأرقام المعلنة تعجز عن عكس المدى الحقيقي لحالة الاختناق التي يعاني منها السوق المادي.
وفي واقع الأمر، تظهر أوضح مؤشرات الضغط في قطاع "المقطرات المتوسطة"؛ فقد قفزت أسعار زيت الغاز (الديزل) بنسبة 15% خلال الأسبوع، لترفع مكاسبها السنوية إلى 110%. كما ارتفعت عقود الديزل منخفض الكبريت في نيويورك (ULSD) بنسبة 14%، ليتضاعف سعره أكثر من مرتين منذ مطلع العام. وفي المقابل، شهدت أسعار البنزين ارتفاعاً قوياً أيضاً، وإن كان بوتيرة أقل حدة، وهو ما يعزى إلى تضافر عوامل الطلب الموسمي مع توفر الإمدادات الناتجة عن نشاط المصافي الأمريكية الغنية بإنتاج البنزين.
ويعكس هذا التباين بين أسعار النفط الخام والمشتقات المكررة وجود "عنق زجاجة" هيكلي؛ فبينما تعطلت إمدادات الخام بشدة جراء التوقف شبه الكامل لتدفقات مضيق هرمز، واجهت قدرات تكرير وتوزيع الوقود قيوداً أكثر صرامة. وقد ساهمت أعطال المصافي، ومحدودية الطاقة الفائضة، والاضطرابات اللوجستية، في خلق مشهد بات فيه توفر "الوقود الجاهز للاستخدام" وليس النفط الخام بحد ذاته هو الهاجس الأكبر.
وقد أصبحت آثار هذه الأزمة جلية في مفاصل الاقتصاد العالمي؛ حيث بدأت شركات الطيران في تقليص قدراتها التشغيلية، وعمد كبار المستهلكين في القطاع الصناعي إلى خفض الطلب، بينما لجأت الحكومات إلى السحب من احتياطياتها أو فرض تدابير لترشيد الاستهلاك، لا سيما في قارة آسيا وأجزاء من أوروبا.
موجة صدمة عابرة للسلع
غالباً ما يُوصف مضيق هرمز بأنه أهم "عنق زجاجة" للنفط في العالم، لكن أهميته تتجاوز الخام بمراحل؛ فهو شريان حيوي ليس فقط للنفط والغاز الطبيعي المسال، بل أيضاً للوقود المكرر، والبتروكيماويات، والألمنيوم، وصناعة الأسمدة المعتمدة على الغاز، بما في ذلك الأمونيا واليوريا. وعلاوة على ذلك، يطال الاضطراب الحالي نحو 50% من إمدادات حمض الكبريتيك المنقولة بحراً حول العالم، وهو مركب يُعرف بـ "الكيميائي الشامل" نظراً لدوره كمدخل أساسي في إنتاج الأسمدة، والتعدين، واستخلاص المعادن، فضلاً عن طيف واسع من الصناعات التحويلية والتقنيات المتقدمة. وفي استجابة للنقص الحاد وارتفاع الأسعار المحلية، أعلنت الصين، أكبر مصدر في العالم، عن حظر شامل لصادرات حمض الكبريتيك يدخل حيز التنفيذ في مطلع مايو 2026؛ مما يثير مخاوف من أن يحذو منتجو سلع أخرى تعاني من شح الإمدادات حذوها، عبر تقييد الصادرات لحماية صناعاتهم وأسعارهم المحلية.
ونتيجة لذلك، أدى هذا الاضطراب إلى إحداث صدمة عرض من "المستوى الثاني"؛ حيث أثر تراجع توفر البتروكيماويات على الإنتاج الصناعي، بينما أثار نقص الأسمدة مخاوف جدية بشأن غلال المحاصيل في وقت لاحق من هذا العام. وتظهر هذه الديناميكية بوضوح في الأسواق الزراعية، ولاسيما في مجمع الحبوب؛ فقد سجل زيت الصويا، وهو لقيم رئيسي للوقود الحيوي، ارتفاعاً حاداً بنسبة 48% منذ بداية العام، مدعوماً بارتباطه بقطاع الطاقة وتوقعات شح المعروض. كما وجد القمح، وهو من أكثر المحاصيل استهلاكاً للأسمدة، دعماً من المخاوف المستمرة بشأن الجفاف في حزام القمح الشتوي بالولايات المتحدة، مع تفاقم مخاطر انخفاض إنتاج الصيف نتيجة تراجع توفر الأسمدة. وفي سياق آخر، واجه السكر صعوبة في الحفاظ على مكاسبه رغم ارتباطه بالإيثانول، بضغط من وفرة المعروض على المدى القريب، بينما وجد القطن دعماً من مخاوف الجفاف في الولايات المتحدة وارتباطه بقطاع الطاقة عبر الألياف الاصطناعية.
لماذا لن يعني إعادة فتح "هرمز" العودة إلى المسار الطبيعي؟
يبقى السؤال الجوهري هو: ماذا سيحدث لاحقاً؟ فحتى في حال إعادة فتح المضيق بالكامل، لن يترجم ذلك إلى عودة فورية للأوضاع الطبيعية؛ إذ أفرزت الاضطرابات تحديات لوجستية معقدة يتطلب حلها وقتاً طويلاً. ففي الوقت الراهن، تظل ناقلات النفط الخام والمشتقات المكررة والغاز الطبيعي المسال عالقة، أو متأخرة عن جداولها، أو متمركزة في مواقع غير صحيحة. وسوف يستغرق تفكيك هذا التكدس أسابيع، نظراً لضرورة تنظيم دخول السفن إلى الموانئ التي تعمل هي الأخرى في ظل ظروف تشغيلية مقيدة.
وبعيداً عن قطاع الشحن، لا يزال الغموض يكتنف قدرات التكرير الإقليمية، حيث من المرجح أن تؤدي الأضرار والاضطرابات المسجلة إلى تقييد إنتاج أنواع الوقود الرئيسية مثل الديزل ووقود الطائرات. كما تشكل سعات التخزين عنق زجاجة آخر؛ إذ قد تكون الصهاريج قد وصلت إلى طاقتها القصوى بعد توقف التصدير لفترات طويلة، مما سيؤدي إلى تأخير أي استئناف فعلي للعمليات الإنتاجية.
وأخيراً، فإن عملية استعادة الإنتاج ليست بالبساطة التي تبدو عليها؛ فآبار النفط والغاز التي توقفت عن العمل تتطلب إدارة فنية دقيقة لإعادة تشغيلها، وهو ما قد يستغرق أسابيع أو أكثر في بعض الحالات. ومع تضافر هذه العوامل، فإن مرحلة "التطبيع" واستعادة التوازن ستقاس بالشهور لا بالأيام.
وفي غضون ذلك، فإن حجم الفاقد في الإمدادات خلال فترة التعطل، والذي قد يقترب من مليار برميل قبل عودة الأمور لنصابها، سيظل ملموساً من خلال انخفاض المخزونات العالمية، وهو ما سيضع عملياً حداً أدنى لمستويات الأسعار، ويمنعها من الهبوط الحاد بمجرد تلاشي موجة التفاؤل الأولية التي ستصاحب إعادة الفتح.
الطاقة النظيفة: انتعاش تحركه الضرورة
على خلفية هذه الأزمات، سجل قطاع الطاقة النظيفة تعافياً ملحوظاً؛ حيث ارتفع صندوق المؤشرات المتداولة "iShares Global Clean Energy" بأكثر من 20% منذ بداية العام، مما يمثل تحولاً جوهرياً بعد موجة الركود الطويلة التي شهدها القطاع بين عامي 2021 و2025.
ويعكس هذا الانتعاش تلاقي عدة عوامل داعمة، أبرزها تجدد التركيز على أمن الطاقة في أعقاب الأزمة الحالية. وفي الوقت ذاته، ساهم انخفاض تكاليف مدخلات الطاقة الشمسية في تحسين الجدوى الاقتصادية للمشاريع ودعم الاستثمارات الجديدة. علاوة على ذلك، فإن الطلب المتزايد على الكهرباء من قِبل تقنيات الذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات بات يدعم التوسع في مجالي التوليد والتخزين.
وداخل القطاع، كان الأداء الأقوى من نصيب الشركات العاملة في البنية التحتية للشبكات، وتخزين البطاريات، ومشاريع الطاقة الشمسية واسعة النطاق، وهي المجالات التي توصف غالباً بأنها "الأدوات والوسائل الأساسية" لعملية التحول الطاقي. كما شهدت شركات الهيدروجين وخلايا الوقود اهتماماً متجدداً، وإن ظل أداؤها محفوفاً بالتقلبات المستمرة.
الغاز الطبيعي الأمريكي: حالة استثنائية في ظل اختناق أسواق الطاقة
بينما ترزح أسواق الطاقة العالمية تحت وطأة ضغوط شديدة، لا يزال الغاز الطبيعي الأمريكي يغرد خارج السرب؛ حيث هوت الأسعار هذا الأسبوع منهيةً سلسلة مكاسب استمرت ستة أيام. وتراجعت عقود شهر مايو لتلامس أدنى مستوياتها في 18 شهراً عند 2.55 دولار، وذلك في أعقاب نمو المخزونات الأمريكية بأكثر من المتوقع لتصل إلى 2,063 مليار قدم مكعب، وهو مستوى يزيد بنسبة 7.1% عن متوسط السنوات الخمس الماضية.
وقد عزز هذا الارتفاع في المخزونات المخاوف بشأن تخمة المعروض، مدفوعةً باعتدال الأحوال الجوية وضعف الطلب الموسمي نسبياً. ويسلط هذا التباين الضوء على الطبيعة الإقليمية لأسواق الغاز؛ إذ تظل الولايات المتحدة في معزل نسبي عن الاضطرابات العالمية بفضل قوة إمداداتها المحلية. وفي الوقت ذاته، بدأت الأسعار المنخفضة في إحداث رد فعل على جانب العرض، حيث عمدت شركات الحفر إلى تقليص أنشطتها. ومع ذلك، لا يزال السوق يتمتع بوفرة في الإمدادات حتى الآن، وهو ما يتناقض تماماً مع حالة الشح التي تسيطر على أسواق النفط والمشتقات المكررة.
القطاع الزراعي: شح الأسمدة يفاقم مخاطر المناخ
يبرز القطاع الزراعي حالياً كأحد المحاور الرئيسية للاهتمام مع استمرار تصاعد المخاطر المحيطة به، حيث يتصدر اضطراب إمدادات الأسمدة قائمة المخاوف؛ إذ تستحوذ منطقة الخليج العربي على حصة كبيرة من الصادرات العالمية من الأسمدة النيتروجينية، وأي تعطل مطول لهذه الإمدادات من شأنه أن يقلص الوفرة ويرفع التكاليف على المزارعين عالمياً. ويكتسب هذا الأمر أهمية خاصة مع تقدم موسم الزراعة في نصف الكرة الشمالي، حيث يؤدي تراجع استخدام الأسمدة إلى انخفاض إنتاجية المحاصيل، لاسيما الذرة والقمح والأرز.
وما يزيد من حدة هذه المخاطر هو التوقعات المناخية المتغيرة؛ إذ تشير التقارير إلى احتمال التحول من حالة "الحياد المناخي" إلى ظاهرة "النينيو" بدءاً من منتصف العام، مما يرفع احتمالات ظهور أنماط طقس أكثر اضطراباً. واعتماداً على المناطق الجغرافية، قد تزيد هذه الظاهرة من فرص حدوث موجات جفاف أو هطول أمطار غزيرة، وكلاهما يؤثر سلباً على الإنتاج الزراعي.
إن هذا المزيج المتمثل في ارتفاع تكاليف المدخلات الإنتاجية وحالة عدم اليقين المناخي، يشير بوضوح إلى موجة من التقلبات الحادة في الأسواق خلال الأشهر المقبلة.
الخلاصة: صدمة عرض واسعة النطاق ومستمرة
خلاصة القول، إن الارتفاع الراهن في أسعار السلع لا يحركه مجرد صعود أسعار النفط الخام؛ إذ أحدث الإغلاق الفعلي لمضيق هرمز صدمة عرض عميقة وشاملة طالت تداعياتها قطاعات متعددة، بدءاً من الطاقة وصولاً إلى الزراعة.
وبينما ساهم تراجع الطلب والسحب من المخزونات في احتواء الأثر السعري المباشر على النفط الخام، إلا أن ضغوط السوق المادية أصبحت تتبدى بوضوح متزايد في أسعار المشتقات المكررة والأسمدة والمدخلات الصناعية.
وحتى في حال إعادة فتح الممر الملاحي، فإن العودة إلى الأوضاع الطبيعية ستكون بطيئة، حيث من المرجح أن تؤدي التحديات اللوجستية والتشغيلية إلى إبقاء الأسواق في حالة من الاختناق لشهور قادمة. وفي الوقت ذاته، تعمل هذه الأزمة على تسريع التحولات الهيكلية، بما في ذلك تجدد الاهتمام بالطاقة النظيفة وإعادة تقييم مرونة سلاسل الإمداد. أما بالنسبة للمستثمرين والمتداولين، فإن الدرس الأبرز هو أن تبعات هذا الاضطراب ستكون واسعة النطاق ومستدامة، وسيمتد أثرها إلى ما هو أبعد بكثير من الصدمة الأولية التي أصابت أسواق النفط.
أولي هانسن رئيس استراتيجية السلع في ساكسو بنك
يتجه مؤشر "بلومبرغ للسلع" لتحقيق مكاسب أسبوعية قوية أخرى بنحو 4%، ليرفع إجمالي مكاسبه منذ بداية العام إلى 25%. وكما هو معتاد منذ تصعيد النزاع في الشرق الأوسط، لا يزال قطاع الطاقة هو المحرك الرئيسي لهذا الارتفاع، إلا أن طبيعة هذه المكاسب بدأت تأخذ منحىً متطوراً؛ فبينما واصلت أسعار النفط الخام صعودها قبل أن تهدأ قليلاً على وقع أنباء حول احتمال استئناف المحادثات في إسلام آباد، بات الزخم الأقوى يتركز بشكل متزايد في حلقات لاحقة من سلسلة القيمة، لاسيما في الوقود المكرر مثل الديزل ووقود الطائرات، بالإضافة إلى المواد الأولية للبتروكيماويات والأسمدة.
ويعكس هذا التحول تطوراً جوهرياً شهدته الأسابيع الأخيرة؛ فما بدأ كصدمة في إمدادات النفط الخام نتيجة الإغلاق الفعلي لمضيق هرمز، توسع الآن ليشمل اضطرابات في سلع متعددة. ولم تعد التداعيات محصورة في أسواق الطاقة فحسب، بل امتدت لتطال الإنتاج الصناعي وقطاع النقل، وصولاً في نهاية المطاف إلى أسعار المنتجات الزراعية والغذاء.
وفي أسواق المعادن النفيسة، اتجهت التداولات نحو الانخفاض بقيادة الفضة والبلاتين، بينما ظل الذهب يتحرك ضمن نطاق عرضي يتراوح بين 4,650 و4,850 دولار، في ظل تأثر الدولار وتوقعات التضخم بارتفاع أسعار النفط. أما المعادن الصناعية، فقد شهدت أداءً متبايناً؛ حيث وجد الألمنيوم والنيكل دعماً نتيجة قيود التصدير في منطقة الخليج العربي وإندونيسيا، في حين بدا أن موجة التعافي الأخيرة للنحاس، والتي تعود جزئياً إلى نقص حمض الكبريتيك لدى شركات التعدين، قد بدأت تفقد زخمها مع اقترابها من مستويات مقاومة رئيسية عند 6.15 دولار للرطل.
من الخام إلى المشتقات: أين تتركز الضغوط الحقيقية؟
سجلت أسعار خام برنت وخام غرب تكساس الوسيط مكاسب أسبوعية قوية بنسبة 14% و12% على التوالي، ليصل إجمالي ارتفاعهما منذ بداية العام إلى نحو 80%. ومع ذلك، لا تزال هذه الأرقام المعلنة تعجز عن عكس المدى الحقيقي لحالة الاختناق التي يعاني منها السوق المادي.
وفي واقع الأمر، تظهر أوضح مؤشرات الضغط في قطاع "المقطرات المتوسطة"؛ فقد قفزت أسعار زيت الغاز (الديزل) بنسبة 15% خلال الأسبوع، لترفع مكاسبها السنوية إلى 110%. كما ارتفعت عقود الديزل منخفض الكبريت في نيويورك (ULSD) بنسبة 14%، ليتضاعف سعره أكثر من مرتين منذ مطلع العام. وفي المقابل، شهدت أسعار البنزين ارتفاعاً قوياً أيضاً، وإن كان بوتيرة أقل حدة، وهو ما يعزى إلى تضافر عوامل الطلب الموسمي مع توفر الإمدادات الناتجة عن نشاط المصافي الأمريكية الغنية بإنتاج البنزين.
ويعكس هذا التباين بين أسعار النفط الخام والمشتقات المكررة وجود "عنق زجاجة" هيكلي؛ فبينما تعطلت إمدادات الخام بشدة جراء التوقف شبه الكامل لتدفقات مضيق هرمز، واجهت قدرات تكرير وتوزيع الوقود قيوداً أكثر صرامة. وقد ساهمت أعطال المصافي، ومحدودية الطاقة الفائضة، والاضطرابات اللوجستية، في خلق مشهد بات فيه توفر "الوقود الجاهز للاستخدام" وليس النفط الخام بحد ذاته هو الهاجس الأكبر.
وقد أصبحت آثار هذه الأزمة جلية في مفاصل الاقتصاد العالمي؛ حيث بدأت شركات الطيران في تقليص قدراتها التشغيلية، وعمد كبار المستهلكين في القطاع الصناعي إلى خفض الطلب، بينما لجأت الحكومات إلى السحب من احتياطياتها أو فرض تدابير لترشيد الاستهلاك، لا سيما في قارة آسيا وأجزاء من أوروبا.
موجة صدمة عابرة للسلع
غالباً ما يُوصف مضيق هرمز بأنه أهم "عنق زجاجة" للنفط في العالم، لكن أهميته تتجاوز الخام بمراحل؛ فهو شريان حيوي ليس فقط للنفط والغاز الطبيعي المسال، بل أيضاً للوقود المكرر، والبتروكيماويات، والألمنيوم، وصناعة الأسمدة المعتمدة على الغاز، بما في ذلك الأمونيا واليوريا. وعلاوة على ذلك، يطال الاضطراب الحالي نحو 50% من إمدادات حمض الكبريتيك المنقولة بحراً حول العالم، وهو مركب يُعرف بـ "الكيميائي الشامل" نظراً لدوره كمدخل أساسي في إنتاج الأسمدة، والتعدين، واستخلاص المعادن، فضلاً عن طيف واسع من الصناعات التحويلية والتقنيات المتقدمة. وفي استجابة للنقص الحاد وارتفاع الأسعار المحلية، أعلنت الصين، أكبر مصدر في العالم، عن حظر شامل لصادرات حمض الكبريتيك يدخل حيز التنفيذ في مطلع مايو 2026؛ مما يثير مخاوف من أن يحذو منتجو سلع أخرى تعاني من شح الإمدادات حذوها، عبر تقييد الصادرات لحماية صناعاتهم وأسعارهم المحلية.
ونتيجة لذلك، أدى هذا الاضطراب إلى إحداث صدمة عرض من "المستوى الثاني"؛ حيث أثر تراجع توفر البتروكيماويات على الإنتاج الصناعي، بينما أثار نقص الأسمدة مخاوف جدية بشأن غلال المحاصيل في وقت لاحق من هذا العام. وتظهر هذه الديناميكية بوضوح في الأسواق الزراعية، ولاسيما في مجمع الحبوب؛ فقد سجل زيت الصويا، وهو لقيم رئيسي للوقود الحيوي، ارتفاعاً حاداً بنسبة 48% منذ بداية العام، مدعوماً بارتباطه بقطاع الطاقة وتوقعات شح المعروض. كما وجد القمح، وهو من أكثر المحاصيل استهلاكاً للأسمدة، دعماً من المخاوف المستمرة بشأن الجفاف في حزام القمح الشتوي بالولايات المتحدة، مع تفاقم مخاطر انخفاض إنتاج الصيف نتيجة تراجع توفر الأسمدة. وفي سياق آخر، واجه السكر صعوبة في الحفاظ على مكاسبه رغم ارتباطه بالإيثانول، بضغط من وفرة المعروض على المدى القريب، بينما وجد القطن دعماً من مخاوف الجفاف في الولايات المتحدة وارتباطه بقطاع الطاقة عبر الألياف الاصطناعية.
لماذا لن يعني إعادة فتح "هرمز" العودة إلى المسار الطبيعي؟
يبقى السؤال الجوهري هو: ماذا سيحدث لاحقاً؟ فحتى في حال إعادة فتح المضيق بالكامل، لن يترجم ذلك إلى عودة فورية للأوضاع الطبيعية؛ إذ أفرزت الاضطرابات تحديات لوجستية معقدة يتطلب حلها وقتاً طويلاً. ففي الوقت الراهن، تظل ناقلات النفط الخام والمشتقات المكررة والغاز الطبيعي المسال عالقة، أو متأخرة عن جداولها، أو متمركزة في مواقع غير صحيحة. وسوف يستغرق تفكيك هذا التكدس أسابيع، نظراً لضرورة تنظيم دخول السفن إلى الموانئ التي تعمل هي الأخرى في ظل ظروف تشغيلية مقيدة.
وبعيداً عن قطاع الشحن، لا يزال الغموض يكتنف قدرات التكرير الإقليمية، حيث من المرجح أن تؤدي الأضرار والاضطرابات المسجلة إلى تقييد إنتاج أنواع الوقود الرئيسية مثل الديزل ووقود الطائرات. كما تشكل سعات التخزين عنق زجاجة آخر؛ إذ قد تكون الصهاريج قد وصلت إلى طاقتها القصوى بعد توقف التصدير لفترات طويلة، مما سيؤدي إلى تأخير أي استئناف فعلي للعمليات الإنتاجية.
وأخيراً، فإن عملية استعادة الإنتاج ليست بالبساطة التي تبدو عليها؛ فآبار النفط والغاز التي توقفت عن العمل تتطلب إدارة فنية دقيقة لإعادة تشغيلها، وهو ما قد يستغرق أسابيع أو أكثر في بعض الحالات. ومع تضافر هذه العوامل، فإن مرحلة "التطبيع" واستعادة التوازن ستقاس بالشهور لا بالأيام.
وفي غضون ذلك، فإن حجم الفاقد في الإمدادات خلال فترة التعطل، والذي قد يقترب من مليار برميل قبل عودة الأمور لنصابها، سيظل ملموساً من خلال انخفاض المخزونات العالمية، وهو ما سيضع عملياً حداً أدنى لمستويات الأسعار، ويمنعها من الهبوط الحاد بمجرد تلاشي موجة التفاؤل الأولية التي ستصاحب إعادة الفتح.
الطاقة النظيفة: انتعاش تحركه الضرورة
على خلفية هذه الأزمات، سجل قطاع الطاقة النظيفة تعافياً ملحوظاً؛ حيث ارتفع صندوق المؤشرات المتداولة "iShares Global Clean Energy" بأكثر من 20% منذ بداية العام، مما يمثل تحولاً جوهرياً بعد موجة الركود الطويلة التي شهدها القطاع بين عامي 2021 و2025.
ويعكس هذا الانتعاش تلاقي عدة عوامل داعمة، أبرزها تجدد التركيز على أمن الطاقة في أعقاب الأزمة الحالية. وفي الوقت ذاته، ساهم انخفاض تكاليف مدخلات الطاقة الشمسية في تحسين الجدوى الاقتصادية للمشاريع ودعم الاستثمارات الجديدة. علاوة على ذلك، فإن الطلب المتزايد على الكهرباء من قِبل تقنيات الذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات بات يدعم التوسع في مجالي التوليد والتخزين.
وداخل القطاع، كان الأداء الأقوى من نصيب الشركات العاملة في البنية التحتية للشبكات، وتخزين البطاريات، ومشاريع الطاقة الشمسية واسعة النطاق، وهي المجالات التي توصف غالباً بأنها "الأدوات والوسائل الأساسية" لعملية التحول الطاقي. كما شهدت شركات الهيدروجين وخلايا الوقود اهتماماً متجدداً، وإن ظل أداؤها محفوفاً بالتقلبات المستمرة.
الغاز الطبيعي الأمريكي: حالة استثنائية في ظل اختناق أسواق الطاقة
بينما ترزح أسواق الطاقة العالمية تحت وطأة ضغوط شديدة، لا يزال الغاز الطبيعي الأمريكي يغرد خارج السرب؛ حيث هوت الأسعار هذا الأسبوع منهيةً سلسلة مكاسب استمرت ستة أيام. وتراجعت عقود شهر مايو لتلامس أدنى مستوياتها في 18 شهراً عند 2.55 دولار، وذلك في أعقاب نمو المخزونات الأمريكية بأكثر من المتوقع لتصل إلى 2,063 مليار قدم مكعب، وهو مستوى يزيد بنسبة 7.1% عن متوسط السنوات الخمس الماضية.
وقد عزز هذا الارتفاع في المخزونات المخاوف بشأن تخمة المعروض، مدفوعةً باعتدال الأحوال الجوية وضعف الطلب الموسمي نسبياً. ويسلط هذا التباين الضوء على الطبيعة الإقليمية لأسواق الغاز؛ إذ تظل الولايات المتحدة في معزل نسبي عن الاضطرابات العالمية بفضل قوة إمداداتها المحلية. وفي الوقت ذاته، بدأت الأسعار المنخفضة في إحداث رد فعل على جانب العرض، حيث عمدت شركات الحفر إلى تقليص أنشطتها. ومع ذلك، لا يزال السوق يتمتع بوفرة في الإمدادات حتى الآن، وهو ما يتناقض تماماً مع حالة الشح التي تسيطر على أسواق النفط والمشتقات المكررة.
القطاع الزراعي: شح الأسمدة يفاقم مخاطر المناخ
يبرز القطاع الزراعي حالياً كأحد المحاور الرئيسية للاهتمام مع استمرار تصاعد المخاطر المحيطة به، حيث يتصدر اضطراب إمدادات الأسمدة قائمة المخاوف؛ إذ تستحوذ منطقة الخليج العربي على حصة كبيرة من الصادرات العالمية من الأسمدة النيتروجينية، وأي تعطل مطول لهذه الإمدادات من شأنه أن يقلص الوفرة ويرفع التكاليف على المزارعين عالمياً. ويكتسب هذا الأمر أهمية خاصة مع تقدم موسم الزراعة في نصف الكرة الشمالي، حيث يؤدي تراجع استخدام الأسمدة إلى انخفاض إنتاجية المحاصيل، لاسيما الذرة والقمح والأرز.
وما يزيد من حدة هذه المخاطر هو التوقعات المناخية المتغيرة؛ إذ تشير التقارير إلى احتمال التحول من حالة "الحياد المناخي" إلى ظاهرة "النينيو" بدءاً من منتصف العام، مما يرفع احتمالات ظهور أنماط طقس أكثر اضطراباً. واعتماداً على المناطق الجغرافية، قد تزيد هذه الظاهرة من فرص حدوث موجات جفاف أو هطول أمطار غزيرة، وكلاهما يؤثر سلباً على الإنتاج الزراعي.
إن هذا المزيج المتمثل في ارتفاع تكاليف المدخلات الإنتاجية وحالة عدم اليقين المناخي، يشير بوضوح إلى موجة من التقلبات الحادة في الأسواق خلال الأشهر المقبلة.
الخلاصة: صدمة عرض واسعة النطاق ومستمرة
خلاصة القول، إن الارتفاع الراهن في أسعار السلع لا يحركه مجرد صعود أسعار النفط الخام؛ إذ أحدث الإغلاق الفعلي لمضيق هرمز صدمة عرض عميقة وشاملة طالت تداعياتها قطاعات متعددة، بدءاً من الطاقة وصولاً إلى الزراعة.
وبينما ساهم تراجع الطلب والسحب من المخزونات في احتواء الأثر السعري المباشر على النفط الخام، إلا أن ضغوط السوق المادية أصبحت تتبدى بوضوح متزايد في أسعار المشتقات المكررة والأسمدة والمدخلات الصناعية.
وحتى في حال إعادة فتح الممر الملاحي، فإن العودة إلى الأوضاع الطبيعية ستكون بطيئة، حيث من المرجح أن تؤدي التحديات اللوجستية والتشغيلية إلى إبقاء الأسواق في حالة من الاختناق لشهور قادمة. وفي الوقت ذاته، تعمل هذه الأزمة على تسريع التحولات الهيكلية، بما في ذلك تجدد الاهتمام بالطاقة النظيفة وإعادة تقييم مرونة سلاسل الإمداد. أما بالنسبة للمستثمرين والمتداولين، فإن الدرس الأبرز هو أن تبعات هذا الاضطراب ستكون واسعة النطاق ومستدامة، وسيمتد أثرها إلى ما هو أبعد بكثير من الصدمة الأولية التي أصابت أسواق النفط.
الرجاء الانتظار ...