الامارات 7 - في سماء سان فرانسيسكو، عُلقت لوحات دعائية عملاقة تحمل عبارة قصيرة، لكنها كافية لإثارة قلق طويل "Stop Hiring Humans”، أي: “توقفوا عن توظيف البشر”.
لم يكن الإعلان يبيع تطبيقًا عاديًا، ولا يروّج لأداة تساعد الموظفين على العمل بشكل أسرع. كان يقولها ببرود كامل: "لا توظفوا البشر، استبدلوهم بعمالٍ من الذكاء الاصطناعي". ولهذا بدا المشهد أقرب إلى لقطة من فيلم ديستوبيا (مستقبل محفوف بمخاطر تصاعد الذكاء الاصطناعي على حساب الإنسان)، منه إلى حملة تسويقية في مدينة تعد قلب التكنولوجيا الحديثة.
وبحسب تقرير نشرته صحيفة "كرون" الأمريكية عن الحملة المثيرة للجدل، خرج الإعلان من الشوارع واللوحات التقليدية إلى السماء فوق سان فرانسيسكو، بعدما حملت طائرة لافتة بالرسالة نفسها. أما الشركة التي تقف خلف هذه الحملة فهي "آرتيزان" "Artisan"، وهي شركة ناشئة في مجال الذكاء الاصطناعي تبيع ما تسميه "موظفين من الذكاء الاصطناعي"، من بينهم "آفا"، وهي وكيلة مبيعات آلية صُممت للقيام بمهام مثل البحث عن العملاء، إرسال الرسائل، بناء القوائم، ومتابعة المبيعات.
وراء الإعلان
تأسست شركة "آرتيزان" عام 2023 على يد جاسبر كارمايكل-جاك وسام ستالينغز. ووفق "تك كرانش"، الصحيفة المتخصصة بعلوم التكنولوجيا، جمعَت الشركة 25 مليون دولار في جولة تمويل من الفئة A في أبريل 2025، بعد أن كانت قد جمعت 12 مليون دولار في سبتمبر 2024. وفي وقت التمويل، قالت الشركة إنها وصلت إلى نحو 5 ملايين دولار من الإيرادات السنوية المتكررة، ولديها حوالي 250 عميلًا.
المفارقة أن الشركة التي تطلب من العالم "التوقف عن توظيف البشر" كانت توظف البشر هي نفسها. فقد ذكرت "تك كرانش"، أن "آرتيزان" كان لديها نحو 35 موظفًا بشريًا، وكانت تخطط لتوظيف 22 موظفًا إضافيًا. أي أن الشركة لا تستطيع الاستغناء عن البشر، لكنها تبيع للآخرين فكرة أن البشر يمكن أن يصبحوا تكلفة زائدة.
وتقول الشركة إن وكيلتها "آفا" تستطيع أداء أعمال المبيعات الخارجية بكلفة أقل بكثير من الموظف البشري. وبحسب تقارير صحفية، ادعت إعلانات "آرتيزان" أن "آفا" تكلف أقل بنسبة تصل إلى 96% مقارنة بتوظيف شخص لأداء العمل نفسه. هذه النسبة تحديدًا هي ما يجعل الإعلان مقلقًا، لأنه لا يبيع أداة فقط، بل يبيع فكرة أن الإنسان أصبح "أغلى من اللازم"
وبحسب "إس إف غيت"، تضمنت الإعلانات عبارات أخرى مثل: "موظفو الذكاء الاصطناعي لن يشتكوا من توازن العمل والحياة"، و"عصر موظفي الذكاء الاصطناعي بدأ".
وبدت هذه العبارات لكثيرين قاسية لأنها تسخر ضمنيًا من احتياجات بشرية طبيعية: الراحة، المرض، الحدود، الحياة خارج العمل.
ولهذا لا يبدو الإعلان مستفزًا فقط، بل يبدو ديستوبيًا. كأنه لا يعلن عن منتج، بل عن مستقبلٍ لا مكان فيه للموظف الذي يتعب أو يطلب إجازة أو يسأل عن راتبه.
أرقام الخوف
القلق من هذه الحملة لا يأتي من لوحة إعلانية وحدها، بل من الأرقام التي تحيط بسوق العمل والذكاء الاصطناعي. فبحسب تقرير مستقبل الوظائف 2025 الصادر عن المنتدى الاقتصادي العالمي، قد يتأثر نحو 22% من الوظائف عالميًا بحلول عام 2030. ويتوقع التقرير خلق 170 مليون وظيفة جديدة، مقابل إزاحة أو اختفاء 92 مليون وظيفة، أي صافي زيادة بنحو 78 مليون وظيفة.
قد تبدو هذه الأرقام مطمئنة من بعيد، لكنها من الداخل تعني اضطرابًا كبيرًا. فحتى لو خُلقت وظائف جديدة، هناك عشرات الملايين من الأشخاص الذين قد يجدون أنفسهم مضطرين لتغيير مهاراتهم أو وظائفهم أو قطاعاتهم بالكامل.
أما "غولدمان ساكس" فقد قدّرت أن الذكاء الاصطناعي التوليدي قد يعرّض ما يعادل 300 مليون وظيفة بدوام كامل حول العالم للتأثر بالأتمتة. كما تشير تقديراتها إلى أن نحو ثلثي الوظائف في الولايات المتحدة قد تتعرض بدرجات مختلفة لتأثير الذكاء الاصطناعي.
وفي المقابل، تقول منظمة العمل الدولية في تحديثها لعام 2025 إن حوالي واحد من كل أربعة عمال في العالم يعملون في مهن معرضة بدرجة ما لتأثير الذكاء الاصطناعي التوليدي، لكنها تؤكد أن أغلب الوظائف ستتغير أكثر مما ستختفي بالكامل. ومع ذلك، يبقى السؤال الإنساني معلقًا: ماذا يفعل العامل الذي تتغير وظيفته قبل أن يكون مستعدًا للتغير؟
سوق المليارات
لا تتحرك شركات مثل "آرتيزان" في فراغ. فخلف هذا الإعلان سوق ضخم يرى في "وكلاء الذكاء الاصطناعي" فرصة جديدة لإعادة تشكيل العمل.
وبحسب "ماكينزي"، يمكن للذكاء الاصطناعي التوليدي أن يضيف بين 2.6 تريليون و4.4 تريليون دولار سنويًا إلى الاقتصاد العالمي عبر عشرات الاستخدامات.
هذه الأرقام تفسر لماذا يتدفق رأس المال إلى الشركات التي تعد بتقليل الاعتماد على البشر. بالنسبة للمستثمرين، كل مهمة يمكن تحويلها إلى برنامج تعني سوقًا جديدًا. أما بالنسبة للموظفين، فقد تعني المهمة نفسها وظيفة أقل، أو راتبًا أقل، أو مستقبلًا أكثر هشاشة.
وهنا يعكس الشعار منطقًا اقتصاديًا يزداد قوة: إذا استطاعت الشركة أن تنجز العمل بكلفة أقل، وبلا إجازات، وبلا شكاوى، وبلا تأمين صحي، فلماذا توظف إنسانًا؟
الإعلان المرعب
يعد الإعلان مرعباً لأنه لا يتحدث عن المستقبل بلغة إنسانية. لا يقول إن الذكاء الاصطناعي سيحرر البشر من الأعمال المملة. لا يقول إنه سيمنحهم وقتًا للتفكير والإبداع. بل يقول للشركات: أوقفوا التوظيف.
الخوف هنا ليس من التقنية وحدها، بل من الطريقة التي تُباع بها. حين تصبح حاجة الإنسان إلى الراحة عيبًا، وطلبه للتوازن نقطة ضعف، ومرضه تكلفة، يصبح العمل نفسه أقل إنسانية. الإعلان لا يهاجم وظيفة محددة فقط، بل يهاجم فكرة أن العمل مكانٌ للبشر.
ولهذا أثارت الحملة كل هذا الغضب. لأنها قالت علنًا ما يخشى كثيرون أن يكون مكتوبًا سرًا في خطط الشركات: أن الموظف لم يعد شريكًا في الإنتاج، بل بندًا في الميزانية يمكن استبداله.
لم يكن الإعلان يبيع تطبيقًا عاديًا، ولا يروّج لأداة تساعد الموظفين على العمل بشكل أسرع. كان يقولها ببرود كامل: "لا توظفوا البشر، استبدلوهم بعمالٍ من الذكاء الاصطناعي". ولهذا بدا المشهد أقرب إلى لقطة من فيلم ديستوبيا (مستقبل محفوف بمخاطر تصاعد الذكاء الاصطناعي على حساب الإنسان)، منه إلى حملة تسويقية في مدينة تعد قلب التكنولوجيا الحديثة.
وبحسب تقرير نشرته صحيفة "كرون" الأمريكية عن الحملة المثيرة للجدل، خرج الإعلان من الشوارع واللوحات التقليدية إلى السماء فوق سان فرانسيسكو، بعدما حملت طائرة لافتة بالرسالة نفسها. أما الشركة التي تقف خلف هذه الحملة فهي "آرتيزان" "Artisan"، وهي شركة ناشئة في مجال الذكاء الاصطناعي تبيع ما تسميه "موظفين من الذكاء الاصطناعي"، من بينهم "آفا"، وهي وكيلة مبيعات آلية صُممت للقيام بمهام مثل البحث عن العملاء، إرسال الرسائل، بناء القوائم، ومتابعة المبيعات.
وراء الإعلان
تأسست شركة "آرتيزان" عام 2023 على يد جاسبر كارمايكل-جاك وسام ستالينغز. ووفق "تك كرانش"، الصحيفة المتخصصة بعلوم التكنولوجيا، جمعَت الشركة 25 مليون دولار في جولة تمويل من الفئة A في أبريل 2025، بعد أن كانت قد جمعت 12 مليون دولار في سبتمبر 2024. وفي وقت التمويل، قالت الشركة إنها وصلت إلى نحو 5 ملايين دولار من الإيرادات السنوية المتكررة، ولديها حوالي 250 عميلًا.
المفارقة أن الشركة التي تطلب من العالم "التوقف عن توظيف البشر" كانت توظف البشر هي نفسها. فقد ذكرت "تك كرانش"، أن "آرتيزان" كان لديها نحو 35 موظفًا بشريًا، وكانت تخطط لتوظيف 22 موظفًا إضافيًا. أي أن الشركة لا تستطيع الاستغناء عن البشر، لكنها تبيع للآخرين فكرة أن البشر يمكن أن يصبحوا تكلفة زائدة.
وتقول الشركة إن وكيلتها "آفا" تستطيع أداء أعمال المبيعات الخارجية بكلفة أقل بكثير من الموظف البشري. وبحسب تقارير صحفية، ادعت إعلانات "آرتيزان" أن "آفا" تكلف أقل بنسبة تصل إلى 96% مقارنة بتوظيف شخص لأداء العمل نفسه. هذه النسبة تحديدًا هي ما يجعل الإعلان مقلقًا، لأنه لا يبيع أداة فقط، بل يبيع فكرة أن الإنسان أصبح "أغلى من اللازم"
وبحسب "إس إف غيت"، تضمنت الإعلانات عبارات أخرى مثل: "موظفو الذكاء الاصطناعي لن يشتكوا من توازن العمل والحياة"، و"عصر موظفي الذكاء الاصطناعي بدأ".
وبدت هذه العبارات لكثيرين قاسية لأنها تسخر ضمنيًا من احتياجات بشرية طبيعية: الراحة، المرض، الحدود، الحياة خارج العمل.
ولهذا لا يبدو الإعلان مستفزًا فقط، بل يبدو ديستوبيًا. كأنه لا يعلن عن منتج، بل عن مستقبلٍ لا مكان فيه للموظف الذي يتعب أو يطلب إجازة أو يسأل عن راتبه.
أرقام الخوف
القلق من هذه الحملة لا يأتي من لوحة إعلانية وحدها، بل من الأرقام التي تحيط بسوق العمل والذكاء الاصطناعي. فبحسب تقرير مستقبل الوظائف 2025 الصادر عن المنتدى الاقتصادي العالمي، قد يتأثر نحو 22% من الوظائف عالميًا بحلول عام 2030. ويتوقع التقرير خلق 170 مليون وظيفة جديدة، مقابل إزاحة أو اختفاء 92 مليون وظيفة، أي صافي زيادة بنحو 78 مليون وظيفة.
قد تبدو هذه الأرقام مطمئنة من بعيد، لكنها من الداخل تعني اضطرابًا كبيرًا. فحتى لو خُلقت وظائف جديدة، هناك عشرات الملايين من الأشخاص الذين قد يجدون أنفسهم مضطرين لتغيير مهاراتهم أو وظائفهم أو قطاعاتهم بالكامل.
أما "غولدمان ساكس" فقد قدّرت أن الذكاء الاصطناعي التوليدي قد يعرّض ما يعادل 300 مليون وظيفة بدوام كامل حول العالم للتأثر بالأتمتة. كما تشير تقديراتها إلى أن نحو ثلثي الوظائف في الولايات المتحدة قد تتعرض بدرجات مختلفة لتأثير الذكاء الاصطناعي.
وفي المقابل، تقول منظمة العمل الدولية في تحديثها لعام 2025 إن حوالي واحد من كل أربعة عمال في العالم يعملون في مهن معرضة بدرجة ما لتأثير الذكاء الاصطناعي التوليدي، لكنها تؤكد أن أغلب الوظائف ستتغير أكثر مما ستختفي بالكامل. ومع ذلك، يبقى السؤال الإنساني معلقًا: ماذا يفعل العامل الذي تتغير وظيفته قبل أن يكون مستعدًا للتغير؟
سوق المليارات
لا تتحرك شركات مثل "آرتيزان" في فراغ. فخلف هذا الإعلان سوق ضخم يرى في "وكلاء الذكاء الاصطناعي" فرصة جديدة لإعادة تشكيل العمل.
وبحسب "ماكينزي"، يمكن للذكاء الاصطناعي التوليدي أن يضيف بين 2.6 تريليون و4.4 تريليون دولار سنويًا إلى الاقتصاد العالمي عبر عشرات الاستخدامات.
هذه الأرقام تفسر لماذا يتدفق رأس المال إلى الشركات التي تعد بتقليل الاعتماد على البشر. بالنسبة للمستثمرين، كل مهمة يمكن تحويلها إلى برنامج تعني سوقًا جديدًا. أما بالنسبة للموظفين، فقد تعني المهمة نفسها وظيفة أقل، أو راتبًا أقل، أو مستقبلًا أكثر هشاشة.
وهنا يعكس الشعار منطقًا اقتصاديًا يزداد قوة: إذا استطاعت الشركة أن تنجز العمل بكلفة أقل، وبلا إجازات، وبلا شكاوى، وبلا تأمين صحي، فلماذا توظف إنسانًا؟
الإعلان المرعب
يعد الإعلان مرعباً لأنه لا يتحدث عن المستقبل بلغة إنسانية. لا يقول إن الذكاء الاصطناعي سيحرر البشر من الأعمال المملة. لا يقول إنه سيمنحهم وقتًا للتفكير والإبداع. بل يقول للشركات: أوقفوا التوظيف.
الخوف هنا ليس من التقنية وحدها، بل من الطريقة التي تُباع بها. حين تصبح حاجة الإنسان إلى الراحة عيبًا، وطلبه للتوازن نقطة ضعف، ومرضه تكلفة، يصبح العمل نفسه أقل إنسانية. الإعلان لا يهاجم وظيفة محددة فقط، بل يهاجم فكرة أن العمل مكانٌ للبشر.
ولهذا أثارت الحملة كل هذا الغضب. لأنها قالت علنًا ما يخشى كثيرون أن يكون مكتوبًا سرًا في خطط الشركات: أن الموظف لم يعد شريكًا في الإنتاج، بل بندًا في الميزانية يمكن استبداله.
الرجاء الانتظار ...