د.البدر الشاطري
يركز كثير من الدارسين على الجوانب المادية لفهم السلوك السياسي للأفراد والمجموعات والدول.بينما القيم والتوجهات لها دور مهم في تشكيل السياسة، بل إن العواطف والانفعالات تلعب دوراً في صياغة السياسة، لا سيما السياسة الشعبية.
مفهوم الثقافة السياسية يعتريها نوع من الغموض، كما أن ضبطها منهجياً أكثر صعوبة في التحليل من العوامل المادية مثل الاقتصاد والمدعوم ببيانات واضحة وجلية.
ولكن يمكن تعريف الثقافة السياسية بالتوجه الفردي والجماعي تجاه السياسة. بمعنى آخر تأثير التفكير والعاطفة والمعتقدات في صياغة التوجه السياسي دون اعتبارات للمكاسب المادية.
السؤال هو هل يصوت الناخب الأمريكي بسبب ما يعتقد به أو قيمه أم أنه يصوت بسبب وضعه الاجتماعي والاقتصادي؟ هل يصوت هذا الناخب لأن هذا المرشح يدعو للصلاة في المدارس العامة ويناهض الإجهاض أم أنه يصوت له لأن سياساته الاقتصادية تقلل من التضخم وتوفر وظائف للأفراد؟
العواطف لا شك تؤثر في مضمون السياسة وليس كل سلوك سياسي محسوباً على حسابات عقلانية. وبالتالي فإن مجال الثقافة السياسية هو مجال الوجدان وليس العقل رغم أن فصل الاثنين متاح تحليلاً وليس واقعياً. التداخل بين المجالين كبير وواسع.
يعتبر جبريل ألمُونْد، عالم السياسة الأمريكي الشهير، أول من استخدم مصطلح الثقافة السياسية في العام 1956 ويعرّفها على أنها «مجموعة التوجهات السياسية، والاتجاهات والأنماط السلوكية التي يحملها الفرد تجاه النظام السياسي ومكوناته المختلفة، وتجاه دوره كفرد في النظام السياسي».
وقد شرع جبريل ألمُونْد وزميله سيدني فيربا بدراسة واسعة موسومة «الثقافة المدنية» نشرت في العام 1963. وقد تناولت الدراسة خمس دول ديمقراطية، وهي الولايات المتحدة، المملكة المتحدة، إيطاليا، ألمانيا الغربية، والمكسيك.
وقسمت الدراسة الثقافة السياسية إلى ثلاثة تصنيفات: الأول، الثقافة السياسية المشاركة والثاني، الثقافة السياسية الخاضعة والثالث الثقافة السياسية الضيقة. واستخدم الباحثان استطلاع الرأي كوسيلة إلى أي تصنيف ينتمي أفراد هذه الأقطار.
وهذه التصنيفات التي استحدثها الأستاذان ذات دلالة مهمة من ناحية استقرار واستمرارية الأنظمة السياسية التي تصنّف على أنها ديمقراطية.
فالثقافة السياسية المشاركة تتسم بمعرفة النظام السياسي ودستوره ومؤسساته والأهم من ذلك أن لدي الفرد الثقة بتأثيره على السياسات بشكل عام.
أما الثقافة الخاضعة فهي تدل على أن الأفراد لديهم معرفة بالنظام السياسي ومؤسساته ولكن ليس لديهم الإيمان بالقدرة على التأثير. أما الثقافة الضيقة فاهتمامها -كما يشير الاسم- هي محيطها المباشر، ولا تعلم عن النظام السياسي ولا عن تركيبته ولا تعتقد بقدرتها على التأثير.
من نافلة القول، إن هذه التصنيفات تتعلق بالنوع المثالي. أي أن يستخدم لقياس مدى التطابق مع الواقع، وأن هذه التصنيفات غير موجودة في شكلها الخالص.
وقد جاءت نتائج البحث الذي استغرق أعوام بما هو متوقع. احتلت بريطانيا المرتبة الأولى في امتلاكها ثقافة سياسية مشاركة، حيث جمع البريطانيون بين المشاركة النشطة والثقة بالتأثير، وفي الوقت نفسه الالتزام بالقوانين واحترام السلطة السياسة، ما يسهل عملية الحوكمة.
الولايات المتحدة تميّزت بمشاركة نشطة وثقة عالية بالتأثير، ولكن المشاركة النشطة أفقدت الأمريكيين الاحترام والاعتبار للسلطة السياسية. أما ألمانيا وهي الدولة الأكثر تطوراً في أوروبا فأن أفرادها يتميزون بالسلبية السياسية تجاه السلطة السياسية.
أما الإيطاليون فيبدو أنهم يعانون من الاستلاب السياسي بسبب انخفاض الرأسمال الاجتماعي.
ويبدو أنهم متقوقعون على حلقاتهم الضيقة مثل العائلة، أو فئوية سياسية وحزبية والتي تؤدي إلى تشرذم. وبالنسبة للمكسيك، حسب ما جاء في الدراسة، تمر بمرحلة ثقافة سياسية انتقالية، حيث تجمع بين الثقافة السياسية الضيقة والاعتزاز بالوطن والثورة المكسيكية.
ورغم أن الدراسة مر عليها وقت طويل إلا أن مضمونها ما زال مؤثراً. وقد انتقدت الدراسة من عدة أوجه وتطور المفهوم على يد باحثين كثر، وتخطى السياسة إلى قضايا التنمية والتطور. ويرى البعض أن الثقافة الكونفوشيوسية كان لها الأثر في تطور النمور الآسيوية والصين.
ولكن السؤال الأزلي هو هل الثقافة لها تأثير مباشر على السياسة أم أن السياسة والنظام السياسي هو الذي يؤثر على أنماط الثقافات السياسية؟ أبو العلاء المعري يجنح إلى الأخير حيث يقول: وَيَنشَأُ ناشِئُ الفِتيانِ مِنّا عَلى ما كانَ عَوَّدَهُ أَبوهُ.
الرجاء الانتظار ...