هندسة المستقبل في فكر محمد بن راشد

منى خليفة الحمودي

«القادم أجمل، لأن الحياة علمتني أن الإيمان بالمعجزات هو بداية تحقيقها، وأن الثقة بالذات هي مفتاح قوتها، وأن الحلم بغدٍ أفضل هو سر تحققه في حياتنا».
تمثل هذه العبارة في كتاب «علمتني الحياة» لصاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، مدخلاً دالاً لفهم رؤية قيادية لا تتعامل مع المستقبل بوصفه امتداداً آلياً للحاضر، بل كمجال للفعل المسؤول واتخاذ القرار المبكر، ففي هذا الفكر لا يترك الغد لتقلبات الزمن، بل يدار ضمن تصور واضح يربط الطموح بالفعل والحلم بالتنفيذ.
وفي ضوء ذلك، تنطلق فلسفة محمد بن راشد في الحكم من قناعة راسخة بأن المنجز ليس نهاية مسار، بل بداية مرحلة جديدة من المراجعة والتطوير، ولا ينظر للتميز كحالة مستقرة، بل كمسؤولية متجددة، وهنا تتجلى القيادة بوصفها عملية مستمرة من المتابعة والتقييم والعمل الميداني، حيث يبقى القائد قريباً من التفاصيل، مدركاً أن جودة القرار لا تنفصل عن فهم الواقع كما هو.
وعلى امتداد أكثر من عقدين من تولي سموه مقاليد الحكم في إمارة دبي، لم يكن الزمن إطاراً محايداً تتراكم داخله السياسات، بل عنصر أساسي في بناء الرؤية، حيث تبدلت الأدوات وتغيرت الآليات، إلا أن جوهر النهج بقي قائماً على المرونة والقدرة على التكيف دون التخلي عن جذور الاتجاه العام المبني على أسس الهوية الرصينة، وبهذا المعنى، رسم سموه منهجاً قيادياً فريداً، يقوم على تطوير المنجز باستمرار، انطلاقاً من قناعة بأن التغيير هو أساس الاستدامة.
وتتجلى مرونة دبي بوصفها أحد أهم مخرجات هذا الفكر القيادي، لا كقدرة على التكيف الظرفي، بل كخاصية بنيوية في طريقة التفكير والإدارة، فالمرونة هنا لا تعني التراجع أمام المتغيرات، بل الاستعداد الدائم لإعادة ترتيب الأولويات وتحديث الأدوات من دون المساس بجوهر الرؤية.
وأعاد هذا النهج تشكيل مفهوم السلطة في تجربة سموه، حيث لم تُمارَس بوصفها مسافة رمزية تفصل بين القائد والمجتمع، بل كعلاقة تقوم على الثقة والمسؤولية المشتركة، فالحضور القيادي اقترن بالقرب من الناس وفهم شؤونهم من الميدان، انطلاقاً من إدراك راسخ بأن الاستقرار المستدام يتأسس على الطمأنينة العامة، وعلى مشاركة المجتمع في مسار الازدهار وصناعة المستقبل.
وهذه المرونة لم تكن ارتجالاً، بل نتاج عقل قيادي يرى في سرعة القرار قيمة استراتيجية، وفي القدرة على التصحيح المبكر عنصر قوة، لذلك استطاعت دبي أن تتحرك بثقة في لحظات التحول العالمي، وأن تعيد ضبط مساراتها الاقتصادية والتنموية كلما اقتضت الظروف، من دون أن تفقد توازنها أو هويتها، فالتجربة لم تُبنَ على ردود الأفعال، بل على وعي استباقي يعتبر أن الاستقرار الحقيقي لا يتحقق بالثبات، بل بالقدرة الديناميكية على النماء والتشبث بالأصالة.
ومن هنا، تحولت المرونة في دبي بعهده إلى ثقافة مؤسسية، تسمح بالمراجعة، وتشجع على التجريب، وتقبل بتعديل السياسات متى ما ثبتت الحاجة إلى ذلك، من دون خوف من المساءلة، وهذا النهج هو ما مكن دبي من الحفاظ على جاذبيتها العالمية، لقدرتها الفريدة في إدارة التغيير بثقة واتزان.
ولا يمكن فصل المكانة العالمية التي وصلت إليها دبي بقيادته عن هذا الإطار الفكري، فالمدينة لم تُقدَّم بوصفها مشروع مقارنة عالمية أو لاعباً محورياً في سباق اقتصادي، بل بوصفها نموذجاً متكاملاً يقوم على وضوح الرؤية وحسن الإدارة، وهذا الوضوح هو ما مكنها من مخاطبة العالم بثبات، وبناء سمعة قائمة على الثقة والاستمرارية.
وفي صميم هذه التجربة، يظل الإنسان حاضراً بوصفه محور التنمية وغايتها، ففكر محمد بن راشد لا ينظر إلى الإنسان كمجرد متلقٍ للسياسات، بل كشريك فاعل في صياغة المستقبل، ومن دون هذا الإدراك، تفقد أي تجربة قيادية قدرتها على الاستمرار، مهما بلغت من نجاح.
وكوننا أبناء هذا الوطن تُعلمنا تلك النظرة الحانية من «بوراشد»، وهو يزرع بروحه وقلبه فرجان دبي، وربوع الإمارات، يتمشى بين أهله وشعبه، يربت على روح المدينة، وأصالة هويتها، تصطف القلوب لمعانقته وهو يمشي يحيي الجميع، ملهِماً العالم أن الإمارات وطن، وأن القائد أب حانٍ.



شريط الأخبار