الظنحاني والأهازيج الإماراتية

د. موزة غباش

بما أننا نبحر فلسفياً، كلّما أتيح لنا ذلك، وخاصة في موضوعات التراث، فإنني أحب أن أتوقف دائماً عند العالم والفيلسوف الفرنسي «كلود ليفي شتراوس» الذي أضاء بعمق كينونة الأهزوجة وفلسفتها، مع أن شتراوس لا يعد مؤلفاً للأهزوجة، لكنه، من خلال نظرته البنيوية العميقة إلى الأسطورة والطقوس والتفكير «البرّي»، قدّم إطاراً ثورياً لفهمها.
فهو يرى في الظواهر الشفوية الجماعية، مثل الأهزوجة، نظاماً لغوياً ورمزياً يعمل وفق «قواعد ذهنية» عميقة تشبه قواعد اللغة.

الأهزوجة هي بنية منطقية تخضع للتبادل والتداول كمنتج رمزي داخل المجتمع.
فمن خلال تكرارها وإيقاعها، تُحدث الأهزوجة نوعاً من «المصالحة بين التناقضات» الأساسية في الوجود الإنساني: بين الطبيعة والثقافة، بين الفرد والجماعة، بين الجهد والتسامي الجمالي، إنها، في عرف شتراوس، أداة ذهنية جماعية لتنظيم التجربة الفوضوية وتحويلها إلى نظام مفهوم ومشترك، ما يكشف عن «المنطق الخفي» الذي يحكم حتى أبسط أشكال الإبداع الشعبي.

حيث إن العقل البشري يمارس من خلال هذه الأشكال فِعْلَ الفلسفة ذاته: تصنيف العالم وإدراكه عبر الثنائيات المتضادة وخلق الانسجام منها.

أيضاً يستوقفني الفيلسوف والأديب الألماني «يوهان جوتفريد هردر» الذي أولى في القرن الثامن عشر اهتماماً كبيراً للأغنية الشعبية والشعر الغريزي (Volkslied) باعتبارها حاملة للروح الشعبية (Volksgeist) وتعبيراً أصيلاً عن فلسفة جماعية تتشكل عبر التاريخ واللغة والبيئة.
في الإمارات، وفي عمق تراثه الأصيل، كان الصوت جزءاً من الحركة، وكان الكلام يسير مع الجسد لا يسبقه ولا يتأخر عنه، حيث نشأت الأهازيج في الإمارات داخل هذا الإيقاع اليومي، فتجدها في العمل، والوقت، والجماعة، والذاكرة تتحرك في نسق واحد، فكانت الأهزوجة تنبع من داخلها، تخرج مع النفس، وتستقر في المكان، ثم تعود إلى الناس محمّلة بطاقة مشتركة، فمثلاً في البحر، كانت الأهزوجة تنظم الجهد، وتوزع التعب، وتخفف ثقل العمل.
صوت «النوخذة» و«الغواص» و«القلاف» وهم يرددون أهازيجهم، التي عرفتها منذ صغري، حيث يتماهى الصوت مع حركة الذراع، ومع تنفس الجماعة، فأصبحت الأهزوجة فعلاً مصاحباً للحياة بكل معاني الكلمة.

في كتاب «أهازيج من تراث الإمارات» للباحث جميع سالم الظنحاني نجد نافذة واسعة على هذا العالم الصوتي المنسي.
ما يلفت في هذا العمل أنه يقدّم الأهزوجة الإماراتية ضمن سياقها الطبيعي: بيئتها، زمنها، مناسبتها، وحركتها. فيشعر القارئ بأنه لا يقرأ نصاً في كتاب، بل يجد نفسه يسمع الأهزوجة ويراها أحياناً، كأن الصوت ما زال عالقاً في المكان.

لاحظت أن البيئة في كتاب الظنحاني هي عنصر فاعل في تشكيل المفردة والنبرة. الجبل يفرض صوته، والزراعة تفرض إيقاعها، والبحر يترك أثره في المفردات وفي المدّ والجزر الصوتي. الأهزوجة الزراعية تختلف عن البحرية، والبحرية تختلف عن البدوية، وكل واحدة تحمل ملامح المكان الذي خرجت منه.
هذا التنوع يعكس قدرة المجتمع على تحويل البيئة إلى لغة، والعمل إلى تعبير، والتعب إلى معنى.

يمكن القول إن الأهزوجة، في تراث الشعوب العالمي، عبارة عن «نسيج مركب من الشعر الشفوي، والإيقاع البدائي، والعقل الجمعي.
من حفلات العمل في حقول الأرز في آسيا، إلى أغاني البحارة في البحر المتوسط، وأهازيج الحرب والسلم في التراث الأفريقي والعربي»، وكذلك أرى من وجهة نظري أن الأهزوجة التي تعد أداةً تنظيميةً واجتماعيةً ونفسيةً بالغة الدقة.

أنها أيضاً، من الناحية الأنثروبولوجية، توحد حركة الأجساد في عمل جماعي، وتخفف عناء المهام الشاقة بتحويلها إلى طقس إيقاعي متناغم.

أما من الناحية الأدبية، فتمثل شكلاً مكثفاً من الشعر الوظيفي، يحمل في ألفاظه البسيطة رموزاً ثقافية، ومعتقداتٍ متوارثة، وصوراً مستمدة من الحياة اليومية والطبيعة.

فتُحيل العادي إلى شعري، والمتعب إلى متناسق، فتكشف عن قدرة الإنسان على خلق الجمال والمعنى حتى في أصعب الظروف.

من ناحية فلسفية، أرى أن الأهزوجة ظاهرة وجودية تكشف عن حاجة الإنسان الأساسية إلى الانتماء والتجاوز. إنها، من خلال التكرار الإيقاعي واللحن المشترك، تذوب الفردية المؤقتة في بوتقة الجماعة، ما يخلق لحظةً من «التجانس الصوتي» يكون فيها المشاركون جزءاً من كيان واحد متناغم، وهذا التجانس هو تأكيد على الترابط الإنساني عبر الزمان والمكان.
حيث تختزل التجربة البشرية في جوهرها: الصراع ضد الطبيعة، والتكيف مع العمل، والاحتفال بالحياة، والتعبير عن الأمل أو الحزن المشترك.

وفي زمن تتعدد فيه الأصوات وتتشابه، ستظل الأهزوجة الإماراتية علامة على خصوصية التجربة المحلية، وعلى قدرة المجتمع على تحويل الحياة اليومية إلى ذاكرة مشتركة، وهذا التراث الصوتي يستحق أن يُسمع من جديد، ودائماً، ليكون جزءاً من فهم أعمق للهوية، وللعلاقة بين الماضي والحاضر، وبين الإنسان وصوته.



شريط الأخبار