أ.د. محمّد عبد الرّحيم سلطان العلماء
تحت عنوان «دقيقة» جاء الدرس الثلاثون من دروس كتاب «علمتني الحياة» لصاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، الذي كتبه بمداد الخبرة العميقة، والبصيرة النافذة.
والقلب الفياض بحب هذا الوطن وأبناء هذا الشعب، كتبه ترشيداً للمسيرة، وإثراء للوعي، وتبصيراً للأجيال القادمة بحقائق هذه الحياة وطبيعة التحديات وفلسفة المواجهة مع كل الصعوبات، وهو لَعَمْرُ الحق كتاب جم الفوائد، عظيم النفع، قادر على الإلهام وصقل الشخصية، واصل به صاحب السمو مسيرته المتميزة في بناء هذا الوطن وإنسانه الطيب الأصيل.
«يتكرر عليَّ سؤال بين فترة وأخرى: لماذا أنت مستعجل دائماً؟ والجواب: لستُ مستعجلاً، ولكن تقديري للوقت يختلف عن الكثيرين، لأني أعرف أن الفرق بين النجاح والفشل هو في تقديرنا للوقت. أعرف أن كل دقيقة في حياتنا لها قيمة، وكلما زادت قيمتها عندك كلما صنعتَ أثراً يمتد زمناً أكبر».
من قلب التجربة الخاصة يستلهم صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد، مادة هذا الدرس، حيث يفسر ملمحاً من ملامح شخصيته يلاحظه عليه الآخرون، هو طبيعة الاستعجال بحسب رؤيتهم للأمور، ولكن صاحب السمو يضع الموضوع في مكانه الصحيح، وأنه في جوهره ليس استعجالاً، بل هو تعبير عن الوعي بقيمة الوقت والإدراك لعاقبة التفريط به.
ويربط على نحو بديع بين النجاح وبين اليقظة لقيمة الوقت، تماماً كما يربط بين الفشل وبين إهدار الوقت، لأن كل دقيقة في نظر صاحب السمو لها قيمة في ذاتها وما ينتج عنها من آثار، وهذا هو السبب في محافظته على كل دقيقة من دقائق العمل والإنجاز وتذوق طعم الحياة الجميل.
ولأن الإنسان لن يقطع النهر نفسه مرتين بسبب سرعة جريانه، كما قال بعض الفلاسفة، فكذلك هي قيمة الزمن في نظر صاحب السمو، وهو ما عبر عنه، توضيحاً لعبارته السابقة، حيث يقول:
«أعرف أن الوقت الذي يمضي لن يعود والدقيقة التي لا تنجز فيها لا تُحسب من عمرك، وعندما ترتبط كل دقيقة لديك بمصالح الملايين من البشر تصبح قيمتها أعلى بكثير»، فكلما اتسعت دائرة المسؤولية كانت قيمة الزمن أكثر خطورة وأهمية، ثم يضرب صاحب السمو أمثلة عملية على استثمار الزمن وضغط المدة في مواجهة التراخي والترهل فيقول:
«كانت لدينا مشاريع تتطلب سنوات، طلبت من فريقي إنجازها في عام، وأنجزوها، كان لدينا أهداف في خططنا تتطلب 10 أعوام، طلبت منهم الانتهاء منها في 3 سنوات، وأنجزوها»، وملحوظ ما في كلام صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد، من الثقة والرهان على الإرادة الإنسانية في استثمار الزمن وعدم تبديد الوقت في انتظار الإنجاز الرتيب البطيء الذي يقتل روعة الإنجاز، وقيمة الشعور بأهمية الزمن.
إن احترام الوقت هو الذي يجعلنا نشعر بقيمته ونوظفه توظيفاً سليماً، وفي هذا السياق يؤكد صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد، أن الوقت يتمدد بتقديرنا لأهميته، فالاجتماع الذي يحتاج ساعة نستطيع إنجازه في عشر دقائق.
والمشروع الذي يتطلب عاماً يمكن الانتهاء منه في أشهر، وكل ذلك يعتمد على تقديرك واحترامك لوقتك، ومن واقع الحياة العملية يستلهم صاحب السمو فكرة حبه لسباق الخيل لأن الفوز في معظمها قد يكون متوقفاً على ثانية واحدة تكون هي الفارق بين الفوز والخسارة، وتأسيساً على ذلك يطور صاحب السمو فهمنا للحكمة المشهورة: «في العجلة الندامة» ليجعلها بدلاً من ذلك في مجال التنمية: في العجلة الفوز والسلامة.
وببصيرة القائد اللماح يربط صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد، بين تقدم الأمم وتقديرها للوقت، فيضرب نماذج من الشعوب المعاصرة التي تحترم الوقت كاليابان مثلاً التي تصمم مشاريع قطاراتها بالثواني، وتعتبر دقيقة التأخير عاراً قومياً.
ومثلها في احترام الوقت وتقديره الصين وكوريا الجنوبية وألمانيا، ليطرح صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد سؤالاً لاذعاً ينتقد فيه آفة تضييع الوقت لا سيما في عالمنا العربي حين يقول: «لو كان لدينا سوق للدقائق كما لدينا سوق للعملات، كم ستكون قيمة الدقيقة اليابانية مقابل الدقيقة العربية؟ الفرق في قيمة الدقيقة سيعطيك الفرق في السنوات التي تحتاجها منطقتنا للحاق بهم».
ولأن البيروقراطية هي المعضلة التي تقف عقبة كأداء في وجه التطوير الإداري وتجذير قيمة الوقت في العقل العام، يطلق صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد، مبادرات عدة في سبيل مواجهة البيروقراطية وتجفيف منابعها، حيث طلب من الحكومة تقليل الإجراءات البيروقراطية بتقليل جميع المدد التي تتطلبها الخدمات بنسبة خمسين بالمئة.
وتم تنفيذ ذلك، ما يدل على أن البيروقراطية ليست قدَراً مكتوباً على جبين الحكومات العربية، بل يمكن مواجهتها وتغيير مسارها، والتقليل من آثارها السلبية على المجتمع، لكن ذلك يحتاج إلى إدراك طبيعة المشكلة واتخاذ القرار الشجاع في مواجهتها، لأن جميع المفاسد الناشئة عن البيروقراطية هي عبارة عن دقائق متناثرة هنا وهناك، فيتجمع منها هذا الجبل الهائل من العقبات والصعوبات في وجه العملية التنموية التي تتطلب حكمة التشخيص وشجاعة التنفيذ.
إن هذه الإجراءات التنفيذية التي تواجه ظاهرة إهدار الوقت تحتاج إلى ثقافة موازية تزرع في النفوس ثقافة احترام الوقت، لأن خلق حالة من الوعي بقيمة الوقت لن تتم بسيف القانون فقط، بل لا بد من إشاعة ثقافة احترام الوقت.
وهو ما عبر عنه صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد بقوله: «على قدر احترامنا لدقيقة كل إنسان، على قدر احترام كل إنسان لنا وتقديره لخدماتنا، وهكذا نبني ثقافة احترام الوقت في مجتمعنا».
واستلهاماً من التاريخ البعيد ينوه صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد، باثنين من أعظم القادة الذين عرفهم التاريخ القديم، أما الأول فهو الإسكندر المقدوني الذي أسس أكبر إمبراطورية عرفها التاريخ من سواحل المتوسط إلى جبال الهملايا،.
وأسس عشرين مدينة تحمل اسمه، وأما الآخر فهو هارون الرشيد الخليفة العباسي الذي قاد الجيوش حين كان عمره ستة عشر عاماً، وتولى الخلافة في سن العشرين، وبلغت الدولة في عهده أعظم مساحة بلغتها إمبراطورية إسلامية ما زلنا نتحدث عنها بكل فخر واعتزاز إلى هذا اليوم.
وبقلب القائد الحريص على شباب أمته يربط صاحب السمو بين الماضي والحاضر، فيذكر أن معظم أصحاب الشركات العالمية الكبرى هم من شباب في بداية العشرينيات لأنهم يحترمون أوقاتهم ويكرسون كل دقيقة من وقتهم للإنجاز، في حين أن قلب صاحب السمو يعتصر ألماً، وهو يشاهد الشباب العربي وهو يهدر الوقت الثمين ويقتل أحلام وطنه ومستقبل بلاده، ليعود صاحب السمو إلى فكرة تقدير الوقت ويقرر:
«تقديرنا للدقيقة يعطينا تقديراً لمدى خلود أعمالنا وعظمة إنجازاتنا، كلما كانت الدقيقة عظيمة، كانت الإنجازات أعظم وأبقى وأدوم»، ليصمم على منهجه في الحياة قائلاً: «ولذلك أنا مستعجل، وسأبقى».