أحمد العمري
كان صباحاً بارداً من صباحات الشتاء، شمس مترددة بين الغيوم، وزخّات مطر تتداخل مع الريح في شدٍّ خفيّ حول من يُحكم قبضته على المدينة. وأنا أمشي قبل أيام قليلة في شارع الأمراء، ذلك الشريط الذي يقسم مدينة إدنبرة بين قديمها وحديثها، شعرت أنني أعود في الزمن أكثر مما أتقدّم في المكان.
عند زاوية هادئة، وقف بائع يحمل مجلة، لا يرفع صوته ولا يلحّ، فقط يكتفي بالنداء: THE BIG ISSUE
مشهد مألوف في ظاهره وليس جديداً عليّ، لكن الاسم وحده كان كفيلاً بأن يفتح باباً قديماً في الذاكرة ويستوقفني. هذه المجلة لم تُولد كمشروع ثقافي بحت، بل خرج اسمها من رحم أزمة، ففي أواخر الثمانينيات حين تفاقمت ظاهرة التشرد في بريطانيا، لم تجد الصحافة توصيفاً أبلغ من نعتها بـ«القضية الكبرى» عبارة تكررت في العناوين حتى غدت اعترافاً عاماً بثقل المشكلة وحجمها في الفضاء العام.
من هذه العبارة تحديداً خرجت الفكرة: جون بيرد، الذي عاش التشرد كتجربة شخصية، أدرك أن المشكلة لا تكمن في غياب التعاطف، بل في تحوّله إلى شفقة تُبقي الإنسان خارج دائرة العمل. بالشراكة مع رجل الأعمال غوردون روديك، وُلدت الفكرة في لندن مطلع التسعينيات، مشروع بسيط في شكله، عميق في معناه: أن تتحول «القضية الكبرى» نفسها إلى اسم مجلة، وأن يصبح المشرد بائعاً لها، لا موضوعاً عنها.
لم تكن المجلة هامشية، بل مشروعاً تحريرياً له وزن ومحتوى، كتب فيها صحافيون وكتّاب معروفون، أما نموذجها الاقتصادي فكان مرتكز المشروع: يحصل البائع على المجلة بسعر رمزي، يبيعها، ويحتفظ بالعائد كاملاً، لا عمولة ولا اقتطاع، دخل مقابل عمل. وهنا تظهر مفارقة غريبة وجميلة في الوقت ذاته: كلمة «ISSUE» لم تعد تعني «قضية» أو «مشكلة»، بل أصبحت تعني «عدداً» كأن اللغة نفسها شاركت في الحل.
لم تختفِ الأزمة، لكنها غيّرت موقعها وتغيّر معها موقع الإنسان داخلها. وأسهمت هذه المبادرة في تخفيف حدّتها، وفي إبقائها حاضرة في الوعي العام دون أن تعود لتتصدّر العناوين. كما أسهمت ولو بشكل غير مباشر، في تحريك جهود رسمية للتعامل معها كواقع يُدار ويُحدّ من تمدّده.
وأنا أتأمل المشهد مع القصة، تبين لي أن الدرس يتجاوز حدود المبادرات الفردية وقيمتها، بعض المشكلات لا تقف بعيداً عن حلولها، بل تدور معها في المسار ذاته. لسنا مطالبين دائماً بالتفكير خارج الصندوق، أحياناً يكفي أن نتمعّن داخله.