من المدرجات إلى الحياة .. الروح الرياضية التي نحتاج إليها

د. أحمد عبدالله النصيرات

في الدقيقة الأولى من أي مباراة كرة قدم، لا يكون الصراع الحقيقي على الكرة فقط، بل على المعنى الذي تحمله اللعبة نفسها: هل هي مساحة للتنافس النبيل أم ساحة لتفريغ التوتر والانفعالات؟
عبر تاريخها الطويل، أثبتت كرة القدم أنها مرآة للمجتمعات، تعكس أجمل ما فيها أحياناً، وأخطر تناقضاتها أحياناً أخرى. وبين هذين الحدّين، تقف الروح الرياضية بوصفها العامل الحاسم الذي يحوّل الرياضة من سبب للانقسام إلى أداة للتقارب بين الشعوب.
فالرياضة، في جوهرها، لغة عالمية لا تحتاج إلى ترجمة، إذ حين يلتقي لاعبون من ثقافات مختلفة داخل المستطيل الأخضر، فإنهم يخضعون للقواعد ذاتها، ويلعبون وفق أسس متعارف عليها عالمياً، وهو ما يجعل الرياضة نموذجاً مصغراً لما يمكن أن يكون عليه العالم، لو سادت قيم الاحترام للقوانين والالتزام بها. هذه القيم، التي تُعرف بالروح الرياضية، هي ما يمنح اللعبة معناها الحقيقي، ويحوّل المنافسة من صراع إلى مساحة للتلاقي والاحترام المتبادل.
غير أن تاريخ الملاعب يذكرنا بأن غياب هذه الروح، خصوصاً في المدرجات، قد يحوّل المتعة إلى مأساة. فالشغب الجماهيري، والتدافع، وفقدان السيطرة على الانفعالات، تسببت عبر التاريخ في كوارث إنسانية مؤلمة أودت بحياة مئات المشجعين الأبرياء، لا بسبب كرة القدم ذاتها، بل نتيجة العنف وسوء إدارة الغضب الجماعي، لتتحول لحظات الفرح والترقب إلى مشاهد حزن وصدمات لا تُنسى.
وفي العصر الحديث، أسهمت وسائل التواصل الاجتماعي أحياناً في تعقيد المشهد الرياضي، حين تحوّلت بعض المنصات إلى ساحات لتأجيج الخلافات، سواء بسبب نتيجة مباراة أو قرار تحكيمي أو حتى خطأ من لاعب! فبدل أن تكون هذه الوسائل مساحة للنقاش والتقارب، أصبحت في بعض الحالات أداة لتضخيم الخلاف أو زرع الفتنة بين الشعوب، ما يؤكد أن الروح الرياضية لم تعد مطلوبة في الملاعب فقط، بل في الفضاء الرقمي أيضاً.
وفي مقابل هذه الصور القاتمة، تبرز التجربة الإماراتية كنموذج يسعى إلى ترسيخ الرياضة بوصفها قيمة إنسانية قبل أن تكون ساحة للمنافسة. فالروح الرياضية في الإمارات ليست شعاراً عابراً يُرفع في المناسبات، بل هي جزء من رؤية مجتمعية تقوم على التسامح، وضبط النفس، واحترام الآخر، داخل الملاعب وخارجها على حد سواء. وقد تعززت هذه القيم، انطلاقاً من إيمان راسخ لدى شعب الإمارات والمقيمين على أرضها الطيبة، بأن الرياضة يمكن أن تكون أداة للتربية وبناء الإنسان، لا مجرد سباق نحو الفوز أو حصد الألقاب.
ففي نهاية المطاف، لا تنتهي الروح الرياضية مع صافرة الحكم، بل تمتد إلى تفاصيل الحياة اليومية. فهي تعلمنا كيف نختلف بدون خصومة، وكيف نخسر بدون كراهية، وكيف نربح بدون تعالٍ. وحين تنتقل هذه القيم من الملاعب إلى الشارع والمدرسة ومكان العمل، تتحول الرياضة إلى قوة ناعمة تجمع الشعوب بدل أن تفرّقها، وتمنح العالم مساحة أوسع للفهم والاحترام المتبادل.



شريط الأخبار