أمينة خيري
رد فعل المجتمع وتلاحم أفراده، والثقة في قيادته، والجهود التي تبذلها السلطات من أجل حماية هذا المجتمع والحفاظ على لحمته وقوته، والإعلام الكفء، والإخبار الموضوعي، والوعي الجمعي، كلها عناصر تحمي الأمم وتذود عن الشعوب، وتضمن رفاه الدول في أوقات الأزمات.. هي حائط صد، ودرع وقاية، وضمان خروج الدولة من الأزمة أقوى مما كانت.
الأزمات والصراعات في المنطقة كاشفة، وعلى رأسها حرب إيران.. هي لا تكشف فقط نوايا، وتفضح عداوات، ولكنها تكشف عن المعدن الحقيقي للمجتمعات، وتسلط الضوء على نتائج عقود من العمل والجهد والمال والاستثمار في العنصر البشري.
ما تتعرض له دول الخليج اليوم من اعتداءات غاشمة أمر مريع، لكنّ لكل أزمة وجوهاً إيجابية تكشف الكثير من الأمل وآثار العمل. في الإمارات عقود من البناء والجاهزية وتعزيز الوحدة الوطنية، ووضع الإنسان في مقدمة الأولويات تثمر اليوم قوة وثقة وتماسكاً. ثقة الجميع في القيادة السياسية، وفي أداء وقرارات واستعدادات المؤسسات والوزارات، والكفاءة في التعامل مع الظروف غير العادية، والسرعة ودقة الأداء، جميعها يسطر قصصاً عظيمة يومياً.
توافر السلع والمنتجات، مضي التعليم قدماً بشكل اعتيادي وكفء، استمرار العمل سواء حضوراً أو أون لاين، توافر السلع وسهولة الوصول إليها، إخبار وإعلام المواطنين والمقيمين بما يجري أولاً بأول دون تهويل أو تهوين، الرسائل النصية القصيرة التي تصل إلى هواتف الجميع أولاً بأول، بالإضافة إلى التعليمات والتحذيرات التي يهدف جميعها إلى حماية الأفراد والدولة، هذا التلاحم والتعاضد الوطني اللافت من أجل سلامة الجميع والحفاظ على الوطن. هذه وغيرها تقول الكثير عن الدولة، وعن الجهود والجاهزية التي بذلت، والإجراءات والقرارات والاستعدادات التي لا تكل أو تمل.
ما تتعرض له المنطقة والخليج في القلب منها لا يقل عن الزلازل العنيفة أثراً، أو الحروب العاتية خطورة.. في الوقت نفسه ما تظهره هذه الدول والمجتمعات من قدرة فائقة على مضي الحياة اليومية العادية قدماً. أشاد تقرير صدر قبل أيام عن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي تحت عنوان: التصعيد العسكري في الشرق الأوسط: التداعيات الاقتصادية والاجتماعية على الدول العربية، بحكومات الخليج التي تشدد على رسائل الوحدة الوطنية، وتُفعّل آليات الاستجابة السريعة لردع الاضطرابات الناجمة عن الهجمات الإيرانية، والحفاظ على ثقة المواطنين والمقيمين. وأشار التقرير إلى أن رد الفعل الطبيعي في أي مجتمع يتعرض للاعتداء يكون زيادة القلق، وفي الوقت نفسه زيادة اليقظة والوعي المجتمعيين، وهو ما حدث في جميع أنحاء دول الخليج.. وهذا مدعوم بإصرار الحكومات على بذل الجهود واتخاذ الإجراءات والسياسات التي تضمن التماسك المجتمعي، وتعزيز القدرة على الصمود، وحماية الاستقرار الوطني، ومكاسب التنمية الاقتصادية.
المؤكد أن المنطقة بعد انتهاء العدوان الإيراني لن تعود كما كانت قبلها. وعلى الرغم من آثار أي عدوان، مهما كان العدوان نفسه قصيراً وآثاره محدودة، فإن المرحلة التالية له ستتخذه عبرة ودرساً في المستقبل، سواء على المستوى العربي كله أو دول الخليج، أو في داخل كل دولة على حدة.. الفوائد ستكون مشتركة ويستفيد منها الجميع، والعكس صحيح.
المؤكد أن ما بنته دول الخليج على مدار عقود من أنظمة اقتصادية واجتماعية قوية وذات كفاءة تشمل الجميع، سواء مواطنون أو مقيمون أو مستثمرون أو زائرون، كشفت عن آثارها الرائعة في ظل الأوضاع الحالية. ويأتي قبل ما سبق نجاحها في بناء وغرس واستدامة مفهوم الدولة الوطنية قولاً وفعلاً، وهو ما يبدو واضحاً جلياً اليوم في وحدة المجتمع، وقوة الاصطفاف، وتقلص هوامش القلق والخوف.
الدروس كثيرة، والحكم المستخلصة عديدة.. الدول التي تبنى على أسس مذهبية أو طائفية أو حتى سياسية واقتصادية بدون وضع شعوبها على رأس الأولويات، تخور قواها، ويضعف بنيانها عند أول منعطف فيه قدر من الخطر أو عدم الاستقرار.. أما الدولة الوطنية، التي تجعل من المواطن شريكاً، ومن المقيم ضيفاً له حقوق وعليه واجبات، فإنها تخرج من الأزمات أقوى مما كانت.
الرجاء الانتظار ...