فيصل سليمان أبومزيد
في بعض الرحلات، لا يعود الإنسان كما ذهب؛ لا لأن المكان غيّره، بل لأن ما بداخله هو من تحرّك بصمت.
هناك مدن تمرّ عليك كأنها محطة، وأخرى تشبه الامتحان الهادئ لوعيك : هل ترى العالم كما هو، أم كما اعتدت أن تراه ؟
وهذا ما شعرت به وأنا مسافر من دولة الإمارات إلى جنوب أفريقيا.
منذ اللحظة الأولى في كيب تاون، لم يكن المشهد مجرد جمال طبيعي، كانت الجبال تبدو وكأنها تحرس المدينة، والبحر يمتد بلا استعجال كأنه لا يعترف بفكرة الوقت. أما الناس، فكانوا مزيجاً من تاريخ طويل لم يُغلق بعد، وحاضر يحاول أن يصنع توازنه الخاص.
وأنا أتجول في المدينة، لم تغب الإمارات عن ذهني، لكن ليس بوصفها مقارنة مباشرة، بل بوصفها تجربة مختلفة في كيفية صناعة الحضور.
شعرت وكأن هناك دولاً لا تكتفي بأن تُعاش، بل تريد أن تُعرّف نفسها للعالم بطريقتها الخاصة، لا بما يُقال عنها.
الإمارات، خلال زمن قصير نسبياً، بنت نموذجاً واضحاً في التنظيم والانفتاح، مع الحفاظ على جذور الهوية. وفي المقابل، تبدو جنوب أفريقيا وكأنها ما زالت في حالة إعادة تشكيل مستمرة لهويتها، تحت ثقل التاريخ وثراء التنوع في آن واحد.
في حي «بو كاب»، تتكلم الألوان قبل الناس، البيوت الزاهية، الأزقة الضيقة، وصوت الأذان الخارج من مسجد قديم وسط تنوع بشري واسع… كل ذلك لا يبدو كتناقض، بل كتركيبة واحدة تعلّمت كيف تعيش مع اختلافها، هنا فقط تفهم أن التعدد لا يعني الفوضى دائما، بل يمكن أن يكون شكلا آخر من الاستقرار.
اللافت بالنسبة لي كان كيف تُذكر الإمارات في أحاديث الناس هناك، ليس بوصفها دولة بعيدة، بل كحضور معروف في التجارة والتنظيم والانفتاح الاقتصادي.
هذه الصورة لا تُصنع في البيانات، بل تُصنع في التجربة اليومية والانطباع المتراكم.
وفي المقابل، تكشف جنوب أفريقيا عن جانب لا يظهر في الصور السريعة : طاقة بشرية كبيرة، وشباب يحاول أن يجد مكانه في عالم لا ينتظر أحداً، وبين التفاوتات الواضحة، يبقى هناك إصرار على الاستمرار، كأنه قرار جماعي بعدم التراجع.
في النهاية، تبدو الرحلة بين الإمارات وجنوب أفريقيا أبعد من انتقال جغرافي.
إنها انتقال بين طريقتين لفهم العالم؛ طريقة تبني نموذجها بسرعة وثقة، وأخرى تحاول أن تصالح تاريخها مع مستقبلها. وبينهما، تبقى “الروح” هي العنصر الوحيد الذي لا يُقاس، لكنه يحدد كيف نرى كل شيء آخر.
الرجاء الانتظار ...