الحماية الرقمية للأطفال نهج إماراتي راسخ

أحمد محمد الشحي
الإمارات تضع سلامة أبنائها في قمة أولوياتها لبناء مجتمع المعرفة الحقيقي والآمن

لقد قامت دولة الإمارات منذ فجر تأسيسها على غاية كبرى، تمثلت في بناء الإنسان، وقد تجسدت هذه الغاية الملهمة في نهج القيادة الرشيدة، التي جعلت من سعادة المجتمع وحمايته ركيزة أساسية لكل نهضة تنموية وتشريع وطني، ومن هذا المنطلق، جاء قرار تنظيم وصول الأطفال إلى منصات التواصل الاجتماعي، الذي يعكس هذا النهج الوطني المشرق، ويترجم الرعاية السامية والجهود المستمرة لحماية الثروة البشرية الحقيقية للدولة، وبالأخص فئة الأطفال والناشئة، الذين هم درع الوطن وأجيال المستقبل.
وقد جاء هذا التشريع الوطني، ليضع سياجاً منيعاً، يحمي الأطفال من مخاطر مواقع التواصل الاجتماعي، وما تعج به من مهددات وتحديات وعواصف، إيماناً بأهمية مرحلة الطفولة، وأثرها المباشر في تشكيل مستقبل الأجيال الذين هم أمانة كبرى، تستوجب أن تحاط بالرعاية والوعي والتحصين، وأن تنشأ في بيئة آمنة متوازنة، تصون فطرتها وتغذي عقلها، وتفتح أمامها آفاق التعلم والإبداع، بعيداً عن كل ما يهدد قيمها، أو يضعف ارتباطها بأسرتها ومجتمعها ووطنها.
ومن هنا تتجلى أهمية هذا القرار، في كونه خطوة وقائية تصون أبناءنا من أخطار متعددة، لا تقتصر على طول الجلوس أمام الشاشات، وإنما تمتد إلى ما قد يتعرضون له من عزلة وضغوط نفسية، أو انسياق وراء محتويات مضللة وأفكار غريبة، أو وقوع في شباك المبتزين والمتنمرين والمستغلين عبر الفضاء الرقمي، كما يحميهم من الحسابات المشبوهة، والمحتويات المؤذية، التي قد تؤثر في نموهم الطبيعي، واستقرارهم العاطفي والقيمي، وبذلك يعزز القرار السلامة والطمأنينة في المجتمع، ويمكّن الأسر من بناء جسور التواصل والحوار المثمر مع الأبناء، بما يحقق التنشئة السليمة، والتربية القويمة الصالحة لهم.
ويعكس هذا القرار ما تتحلى به دولة الإمارات من التوازن الاستراتيجي الملهم بين المعاصرة والأصالة، بما يؤكد قدرتها الفائقة على قيادة التحول الرقمي العالمي، مع التمسك بالثوابت والقيم الإنسانية والمجتمعية، وتأتي الضوابط الجديدة، لتلزم المنصات الرقمية العالمية باحترام القوانين الوطنية، وتطبيق آليات دقيقة وموثوقة للتحقق من العمر، ورصد الحسابات المخالفة، واتخاذ إجراءات فورية لتعزيز الامتثال، وهو ما يفرض السيادة التشريعية الكاملة للدولة في الفضاء الرقمي، ويحمي مواطنيها والمقيمين فيها من الأخطار الخارجية، والظواهر الدخيلة العابرة للحدود، ويؤكد هذا القرار أن دولة الإمارات تضع سلامة أبنائها في قمة أولوياتها السيادية والوطنية والحضارية، لبناء مجتمع المعرفة الحقيقي والآمن.
وقد نص هذا القرار على عدم الاعتداد بموافقة ولي الأمر، كاستثناء من الحظر والقيود المقررة، وهو ما يؤكد أن حماية الطفولة وبناء أجيال المستقبل، قضية أمن مجتمعي، وشأن وطني استراتيجي، يتجاوز التقديرات الفردية، والقرارات الأسرية العابرة، ما يسهم في تعزيز ثقة المجتمع بالمنظومة القانونية والتشريعية للدولة، ويزيد من يقين الأفراد بأن القيادة الرشيدة ترعاهم، وتحيط أبناءهم بعناية فائقة، ويهدف هذا البند القيمي إلى توفير حماية شاملة للأبناء، ومنع حالات الغفلة والتهاون والانسياق وراء رغبات الصغار، وترسيخ مبدأ الحماية الاستباقية، التي تضع مصلحة الطفل فوق كل اعتبار، وتمنح الأسر سنداً قانونياً واضحاً، يعينها على ضبط الاستخدام الرقمي، ويحول دون تحول الفضاء الإلكتروني إلى باب مفتوح للتأثيرات السلبية التي تتسلل إلى العقول والقلوب، في غياب الرقابة والوعي والتوجيه.
ومن هنا، يتأكد الدور الكبير للأسرة في تحقيق أهداف هذا القرار الوطني، وما يحمله من تحذير من الأخطار الصامتة المحدقة بالناشئة، جراء تركهم أمام الأجهزة الإلكترونية دون ضوابط، فيصبحون فريسة لخوارزميات المنصات الرقمية، التي تهدف إلى الاستقطاب والكسب المادي، وتتجاهل الخصوصيات الثقافية والقيمية للشعوب والمجتمعات، وتفتح الباب أمام من هب ودب لينشر ما يريد بشتى الطرق الجاذبة، سواء كان فكراً متطرفاً أو سلوكاً دخيلاً أو معلومة خاطئة، أو خطاباً تحريضياً، إلى غير ذلك من مظاهر الفوضى بأشكالها وأنواعها، ما يحتم تحصين الأطفال من هذه الأمواج المتدفقة من المحتوى، وتغذيتهم بالقيم الوطنية الإيجابية، التي تقوّي مناعتهم الذاتية، وتربيهم على المعايير الصحيحة للتلقي والاستفادة.
إن هذا القرار يعكس ما تتمتع به دولة الإمارات من رؤية ثاقبة، تجمع بين التفوق العلمي والتكنولوجي، والأمان الأخلاقي والقيمي، وتجعل من إسعاد الإنسان وصيانة أمنه واستقراره غايتها الأسمى، ومبتغاها الأعلى في كل وقت وحين.
وفي ختام هذا المقال، نتوجه ببالغ التقدير والامتنان إلى قيادتنا الحكيمة، على هذا القرار الحضاري الاستشرافي، وعلى هذه الرعاية الأبوية الكريمة التي تحمي الأجيال، وتعينهم على تحقيق التميز في حاضرهم ومستقبلهم.



شريط الأخبار