فيصل الشامسي
عهد الاتحاد هو اللحظة التي وُلدت فيها إرادة وطن، وتحولت فيها رؤية الآباء المؤسسين إلى ميثاق خالد رسم طريق دولة الإمارات نحو الوحدة والنهضة والازدهار، فالأوطان العظيمة تقاس بقدرتها على تحويل محطاتها إلى قيم راسخة، ووعي متجدد، ومسؤولية تتوارثها الأجيال.
ومن هذا المنطلق، يأتي الثامن عشر من يوليو، «يوم عهد الاتحاد»، بوصفه محطة مفصلية في التاريخ الوطني، ففيه اجتمع الآباء المؤسسون عام 1971، ووقّعوا وثيقة الاتحاد والدستور، واعتمدوا اسم دولة الإمارات العربية المتحدة، لتبدأ مسيرة دولة أصبحت نموذجاً عالمياً في التنمية والاستقرار والريادة.
ولم يكن اعتماد هذا اليوم مناسبة وطنية بقرار صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، مجرد استذكار لحدث تاريخي، بل كان ترسيخاً للمعنى الذي قامت عليه الدولة منذ نشأتها، فقد أكد سموه بقوله: «في هذا اليوم التاريخي، اجتمع الآباء المؤسسون، ووقّعوا وثيقة الاتحاد ودستور دولة الإمارات العربية المتحدة، وأعلنوا اسم دولتنا، واضعين بذلك عهد الاتحاد وأسس قيام دولة الإمارات».
ويعكس هذا الإعلان رؤية تؤكد أن الاتحاد لم يبدأ بإعلان الدولة في الثاني من ديسمبر فحسب، بل بدأ بالعهد الذي سبق الإعلان، وبالإرادة التي صنعت المستقبل قبل أن يدوّنها التاريخ.
لقد أدرك المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، أن الاتحاد يُعد مشروعاً وطنياً حضارياً مستداماً، ولذلك قال: «الاتحاد يعيش في نفسي، وفي قلبي، وفي كياني».
لقد كانت هذه الكلمات فلسفة جعلت وحدة الصف، والتلاحم المجتمعي، والمصلحة الوطنية العليا، ركائز لبناء الدولة. ولم يكتفِ الشيخ زايد ببناء المؤسسات، بل رسخ ثقافة الثقة، والإيمان بالمصير المشترك، حتى غدا الاتحاد رابطة تجمع القلوب قبل أن تجمع الجغرافيا.
ومن هذه الرؤية انطلقت مقولته الخالدة: «الثروة الحقيقية هي الإنسان»، فكان الاستثمار في الإنسان خياراً استراتيجياً، لا برنامجاً تنموياً فحسب، وأصبح التعليم، وتمكين الكفاءات الوطنية، وبناء القدرات، الأساس الحقيقي لاستدامة الاتحاد وتعزيز تنافسية الدولة.
واليوم، تواصل القيادة الحكيمة بقيادة صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، هذا النهج بثقة ورؤية تستشرف المستقبل دون أن تنفصل عن الجذور.
ويجسد اعتماد «يوم عهد الاتحاد» هذا الامتداد التاريخي، إذ يؤكد أن استحضار لحظة التأسيس ليس عملاً توثيقياً، بل استثمار في الذاكرة الوطنية، وترسيخ للهوية، وتعزيز للتلاحم المجتمعي، وإعداد للأجيال لتواصل حمل رسالة الاتحاد.
ومن هنا يُعد عهد الاتحاد وثيقة تاريخية، وميثاقاً وطنياً متجدداً بين القيادة والشعب، يقوم على الثقة، والمسؤولية، والشراكة في حماية المنجز الوطني.
وإذا كان جيل الآباء المؤسسين، رحمهم الله، قد نجح في بناء الدولة، فإن مسؤولية هذا الجيل الوطني المخلص هي صون الدولة وحماية المنجز، واستدامة مكتسباتها، في زمن لم تعد فيه التحديات تقتصر على الحدود، بل امتدت إلى العقول والهوية والوعي.
وفي عالم تتسارع فيه التحولات، تصبح المواطنة الإيجابية خط الدفاع الأول عن الوطن، فهي ليست مجرد مشاعر تُستحضر في المناسبات، بل ممارسة يومية تتجسد في احترام القانون، وإتقان العمل، والاعتزاز بالهوية الوطنية، والوعي في التعامل مع الفضاء الرقمي، وتعزيز الثقة بالمؤسسات، ورفض الشائعات وخطابات الكراهية والتطرف، فالمواطنة الحقة تقاس بقدرة الفرد على حماية الوعي، وصون الهوية، والإسهام في ترسيخ التلاحم الوطني، والمشاركة في صناعة مستقبل الوطن.
ولعل أعظم ما يميز التجربة الإماراتية أنها لم تجعل الاتحاد محطة انتهت بقيام الدولة، بل مشروعاً وطنياً متجدداً يتطور مع كل مرحلة، فمن عهد التأسيس إلى عهد التمكين، وصولاً إلى عهد الاستدامة، بقي الاتحاد هو الروح التي تحرك المسيرة، وبقيت رؤية المؤسسين حاضرة في كل إنجاز، حتى غدت الإمارات نموذجاً عالمياً يبرهن أن الدول التي تؤسس على الوحدة، والثقة، والقيادة الحكيمة، قادرة على تحويل التحديات إلى فرص، والطموحات إلى إنجازات.
لقد أثبتت دولة الإمارات أن قوة الدول لا تقاس بحجم مواردها وحدها، بل بصلابة عقيدتها الوطنية، وثقة شعبها بقيادته، وقدرتها على تحويل التنوع إلى مصدر قوة، ولهذا أصبحت الإمارات شريكاً موثوقاً في ترسيخ السلام، وحاضنة للابتكار، وموطناً لأكثر من مئتي جنسية تعيش في أمن ووئام، في ظل سيادة القانون، وقيم التسامح، والتعايش، والاحترام المتبادل.
إن «يوم عهد الاتحاد» مناسبة ملهمة نستذكر فيها تضحية الآباء المؤسسين، ومحطة نجدد فيها العهد لقيادتنا الحكيمة نحو بناء مستقبل الوطن، ففي الثامن عشر من يوليو لم يوقّع الآباء المؤسسون وثيقة الاتحاد فحسب، بل أطلقوا مشروعاً حضارياً لا يزال يتجدد ويزدهر بقيادة صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، وبوعي أبناء الإمارات الذين يدركون أن المحافظة على الاتحاد شرف وكرامة.
فالآباء المؤسسون ورثوا أبناء الإمارات عهداً وأمانة. وما دامت الأجيال وفية لهذا العهد ولأمانة الوطن، متمسكة بهويتها، وملتفة حول قيادتها، ومؤمنة بأن قوة الوطن في وحدته، ستظل راية الاتحاد خفاقة، وسيبقى البيت الإماراتي متوحداً، وستواصل دولة الإمارات ترسيخ مكانتها نموذجاً عالمياً في التنمية والاستقرار وصناعة المستقبل.
الرجاء الانتظار ...