د. محمد عاكف جمال
عنوان هذه المقالة ليس من عندي، بل اقتبسته من التحذير الذي أطلقه الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، في مستهل اجتماع مجلس حقوق الإنسان الذي عقد في الثالث والعشرين من فبراير 2026 في جنيف. تحذير خطير لخص فيه ما رصدته المنظمة الدولية التي يتزعمها من أحداث تتعلق بالمخاطر التي تحيق بأمن هذا العالم الذي تسعى منظمته بتأمين رعايته من كافة الأوجه، متهماً في ضوء ذلك، دون تسمية جهة معينة، أولئك الذين يمتلكون أكبر قدر من القوة في العالم بالمسؤولية عن الوصول إلى ذلك، مؤكداً أن من سمات العصر الذي نعيشه هو أن «شريعة القوة باتت تغلب سيادة القانون».في أطر الخلافات بين الدول التي ألفنا حضورها وحضور الصراعات حولها كانت القوة أو التهديد باستخدامها من بين الحلول المتاحة لمواجهتها، الخلافات هذه تتعلق بشكل رئيسي بالحدود البرية أو الحدود البحرية أو بما يتاح من حرية للأقليات التابعة لدولة مجاورة أو بما يجلبه النزوح الجماعي بسبب الكوارث الطبيعية، مثل الزلازل والبراكين والفيضانات والتغيرات المناخية، أو لما لإرث الماضي من تأثير على سياسات الحاضر ومساراته. الحقيقة أن القوة في جميع العصور هي من كانت الفاعل الذي ينظم شؤون الحياة، ليس على مستوى العالم بل على مستوى أقل من ذلك بكثير، وهو مستوى المجتمع الواحد أو مستوى الفرد نفسه، فالقوة بما تحمله من قدرات على التغيير اقتصادياً أو عسكرياً أو فكرياً هي من رسم ملامح تاريخ العالم ولا تزال تفعل ذلك، ولكن القوة التي قصدها الأمين العام غوتيريش هي القوة العسكرية، وذلك في ضوء الحروب القائمة في منطقة الشرق الأوسط وفي أوكرانيا، وفي ضوء التهديدات الأمريكية بالسيطرة على جزيرة غرينلاند وعلى قناة بنما، وفي ضوء الزيادات في ميزانيات وزارات الدفاع في معظم دول العالم، وفي ضوء الزيادات في مبيعات السلاح، فوفق المعهد الدولي لأبحاث السلام في ستوكهولم بلغ الإنفاق العسكري لدول العالم في العام 2024 مبلغاً مقداره 2.7 تريليون دولار، مسجلاً زيادة قدرها 9.4 % عن العام الذي سبقه، وهي أعلى نمو سنوي منذ العام 1988 تصدرتها عشر دول، في مقدمها الولايات المتحدة وروسيا والصين.
هذا في الوقت الذي لم تتراجع فيه المشاكل والخلافات بين دوله ولم تخف حدة الاحتقانات والأخطار من اندلاع الحروب في العديد من ربوعه، تبرز الطموحات التوسعية لبعض دول العالم كأحد أبرز العوامل التي تعكر صفوه المتلبد أصلاً بغيوم المخاطر لتضفي عليه المزيد من الأجواء الحالكة التي قد تقود إلى ما لا تحمد عقباه.
لا شك أن منظمة الأمم المتحدة بحكم مبادئها وميثاقها وبحكم دور المنظمات المتخصصة والمراكز التابعة لها هي المنظمة الأقدر في العالم على تقويم الوضع الدولي في مختلف شؤونه ورصد المخاطر التي تحيق به، وهي في الوقت نفسه ترى نفسها مقيدة وعاجزة عن معالجة العديد منها، خاصة ما يتعلق منها بالصلاحيات الممنوحة وفق ميثاقها لمجلس الأمن الدولي، فهذا التحذير يعكس ذلك. فهي رغم الجهود الكبيرة التي تبذلها لم تتمكن من منع أو إيقاف حرب هنا وأخرى هناك في الشرق الأوسط، أو تزيل المخاطر التي تنذر باندلاعها. القوة ظاهرة طبيعية لازمت الكون منذ البدايات الأولى لوجوده وكان لها الدور الأساسي بمظاهرها المختلفة على المستويين الكبير جداً والصغير جداً في رسم معالمه التي نعرفها، وقد ألفها الإنسان منذ البدايات الأولى لوجوده على سطح الأرض، وخبرها وخبر دورها في حياته اليومية. فهي في أبسط تعريفاتها حين تسلط على منظومة مادية تغيّر من طبيعتها، سواء كانت ساكنة أو متحركة، وحين تسلط على منظومة تضم كائنات حية، نباتية أو حيوانية، تعيد تنظيم حياتها ورسم حدود دورها في الحياة وفق مشارب وأهواء من يسلطها.
الرجاء الانتظار ...