د. موزة غباش
بقلب يفيض فخراً، وعين تلمح في أفق الإمارات رايات عز لا تنكسر، أقف اليوم والبهجة تسكن قلبي وعقلي وروحي ووطني، إن فرحي هو نبض شارع، وصوت بيت متوحد، وصيحة نصر ترددت من سواحلنا إلى قمم جبالنا، ولقد برهنت الإمارات للعالم أن النصر يكتب بمداد الصبر وعظمة الحكمة التي استقيناها من والدنا زايد، ونحتفي اليوم بإرادة شعب آمن بأن التخطيط الاستراتيجي والالتفاف حول القيادة هما الصخرة التي تتحطم عليها أطماع الغاشمين، إنه نصر القيم الأصيلة التي جعلت من الثبات منهجاً، ومن الوفاء للأرض عهداً لا يلين.إن انتصار الإمارات في مواجهة أي عدوان أو أزمة ينبع أولاً من تلك الأصالة المتجذرة في فكر قيادتها، وهو إرث تركه القائد المؤسس المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، الذي علمنا أن القوة الحقيقية تكمن في العقل والحكمة، وبهما استطاعت القيادة الرشيدة استلهام قيم الصبر من حياة الأجداد الذين واجهوا قسوة الطبيعة وحولوها إلى واحة رخاء، لذلك رأينا الحكمة الإماراتية في التعامل مع الأطماع والاعتداءات قد اعتمدت على التخطيط الهادئ بعيد المدى، واستشراف المستقبل بعين خبيرة، والتمسك بالقيم الأخلاقية الرفيعة التي ترفض الظلم وتنتصر للحق، ما جعل من النموذج الإماراتي مرجعاً عالمياً في الرصانة السياسية والقدرة على امتصاص الأزمات وتفكيكها بذكاء وحزم.
ويعد التلاحم الشعبي في دولة الإمارات ركيزة أساسية تحطمت عليها مطامع المعتدين، وثبت أن عمق العلاقة الاستثنائية التي تربط شعب الإمارات بقيادته، القائمة على الثقة المطلقة والولاء الصادق، قد شكل الأرضية الصلبة للانتصار على العدوان الغاشم، فكانت انتصاراً لوعي القيادة وللوعي الجمعي، وأثبت سكان الإمارات من مواطنين ومقيمين أنهم نسيج واحد لا يقبل الاختراق. وتجلى تراث القيم في أبهى صوره من خلال الوقوف صفاً واحداً خلف العلم، ما حول المجتمع إلى جيش مدني يساند القوات المسلحة بالوعي والعمل والترابط، وهذه الوحدة هي ممارسة يومية مستمدة من عادات التكاتف في الفريج القديم، التي تطورت لتصبح عقيدة وطنية تحمي المكتسبات وتصون الأرض والعرض.
إن انتصار الإمارات هو تجسيد حقيقي لمعادلة العقل والقوة، حيث نجحت الدولة في تبني تخطيط استراتيجي بعيد المدى يوازن بين الاستعداد العسكري الفائق وبين الحكمة السياسية، فقد استطاعت الإمارات بفضل رؤية قيادتها بناء منظومة دفاعية تعد من الأقوى في المنطقة، وأيقن الجميع أن التخطيط الحقيقي يمتد ليشمل التحصين الفكري ضد الأيديولوجيات المتطرفة، واستخدام التكنولوجيا المتقدمة في حماية الحدود والسيادة، وهذا التخطيط نابع من إدراك عميق بأن السلام يحتاج إلى قوة تحميه، وأن الصبر الاستراتيجي هو مفتاح النصر، فدولة الإمارات لم تنجر يوماً لردود أفعال عشوائية، بل كانت وما زالت تدير أزماتها بمشرط الجراح، محققة انتصاراتها عبر تراكم الخبرات العلمية المستندة إلى مبادئ الحق والعدالة الدولية.
ولأننا جميعاً نؤمن بحكمة صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، ورؤيته الثاقبة التي تقوم على مبدأ السلام القوي، وأن الحكمة هي السلاح الأمضى، وأن الدبلوماسية الناعمة قادرة على تفكيك أعقد الأزمات قبل انفجارها، فقد أصبحت الإمارات بحكمة سموه وسيطاً دولياً موثوقاً ومنارة للحوار، وقادرة في الوقت ذاته على مواجهة أي عدوان، ورأينا جميعاً كيف نجح نهج سموه في الصبر الاستراتيجي وعدم الانجرار وراء الاستفزازات، مع التمسك بالحقوق الثابتة، وحماية المكتسبات، لتحقيق التوازن الدقيق بين المواقف الدبلوماسية والصلابة في المبادئ، والذي كفل للدولة الانتصار الأخلاقي والسياسي على الأعداء الغاشمين المعتدين وفي كل المحافل.
وقد تبين خلال هذه السحابة الشتوية، للقاصي والداني، أن العلاقة بين القيادة والشعب في الإمارات تتجاوز العقد الاجتماعي التقليدي إلى رابطة وجدانية وأسرية متجذرة في تاريخ الإمارات وشعبها، وأن هذا التلاحم الذي ورثه الأبناء عن الأجداد شكل حائط صد منيعاً ضد أي عدوان غاشم حاول زعزعة استقرار الدولة، فحين يرى المواطن في قائده والداً وراعياً لمصالحه، يتحول الولاء إلى عقيدة دفاعية تلقائية، وكيف خابت مراهنات الأعداء في إحداث شرخ داخلي، فالبيت متوحد بالحب والثقة المتبادلة، فالقيادة الحكيمة وضعت كرامة الإنسان وسعادته أولاً، لذلك كان المقابل هو شعب مستعد للتضحية بالغالي والنفيس، ما حول هذه الدولة العظيمة إلى جسد واحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحماية.
السياسة الإماراتية النابعة من ثقافتنا أنها تتمتع بالحكمة والصبر، وأيضاً بالمرونة الفائقة التي تسمح بالتحرك في مساحات واسعة لحماية المصالح الوطنية، وهذه المرونة هي قدرة عالية على المناورة الذكية وتغيير التكتيكات دون المساس بالثوابت، ومنها التخطيط الاستراتيجي المستند إلى القيم، الذي مكّن الدولة من عزل المعتدين دولياً وتجريدهم من أسلحتهم، فحولت الأزمات إلى نصر مبين عزز من نفوذ الدولة ومكانتها العالمية بوصفها دولة قوية ومستقرة، وأطلق الفرح في قلوب سكانها.
الرجاء الانتظار ...