عماد الدين حسين
الآن توقفت الحرب ولو مؤقتاً، في انتظار التوصل لاتفاق سياسي حقيقي وعادل، حتى لا يتم استئناف الحرب بعد فترة وجيزة. الدول العربية الخليجية تلقت طعنة غادرة من إيران عبر عدوان الأخيرة على دول الخليج الست وكذلك الأردن خلال فترة الحرب التي استمرت أكثر من أربعين يوماً، وقد دافعت دول الخليج عن نفسها ضد الاعتداءات الإيرانية ولم ترد على العدوان بمثله. النقطة الجوهرية التي ينبغي أن تشغل كل خليجي هي: ما هو نوع الاتفاق الذي قد يتم التوصل إليه في المفاوضات أو أي مفاوضات أخرى مماثلة، والتي يفترض أن تكون قد بدأت في العاصمة الباكستانية إسلام آباد بين الولايات المتحدة وإيران للتوصل إلى اتفاق حاسم يرسي استقراراً دائماً في المنطقة؟ من المهم أن يكون هناك وجود خليجي واضح في هذه المفاوضات، لأن الأمر لا يخص فقط الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى.صحيح أن الحرب بالأساس كانت بين الجانبين الأمريكي والإسرائيلي والجانب الإيراني، لكن الأصح أن إيران، وبدلاً من أن ترد على الهجوم الأمريكي الإسرائيلي فقط، وجهت عدوانها ضد الدول الخليجية الست بصورة أساسية. وهناك تقديرات تقول إن أكثر من 75% من الصواريخ والمسيرات الإيرانية خلال الحرب توجهت لبلدان الخليج وأقل من 20% ذهبت إلى أهداف إسرائيلية وأمريكية فقط.
الولايات المتحدة ستدافع عن مصالحها وعن مصالح إسرائيل، وإيران ستدافع عن مصالحها، وبالتالي من المهم أن تتفق الدول العربية الخليجية على رؤية محددة وواضحة بحيث أن أي اتفاق محتمل ينبغي أن يتضمن كل المشكلات والشواغل الخليجية، وحتى لا يتكرر الخطأ الذي ارتكبه الرئيس الأمريكي الأسبق، باراك أوباما، قبل 11 عاماً بزيادة النفوذ الإيراني على حساب الدول العربية الخليجية.
في 14 يوليو من عام 2015 وقّع باراك أوباما مع إيران ما عرف لاحقاً بخطة العمل الشاملة المشتركة وبمشاركة مجموعة «5 + 1» أي بريطانيا وفرنسا وروسيا والصين إضافة للولايات المتحدة. كان الهدف المعلن من الاتفاق تقييد البرنامج النووي الإيراني والرقابة الدولية على المنشآت النووية الإيرانية ونظام رقابة طويل المدى يمتد من 15 – 25 عاماً، وتتعهد أمريكا والغرب برفع العقوبات عن إيران، والإفراج عن أصولها المالية المجمدة وعودتها رسمياً إلى سوق النفط العالمي.
أصوات كثيرة رأت في الاتفاق أنه لا يمنع إيران نهائياً من امتلاك سلاح نووي ولا يشمل الصواريخ البالستية، ولا يعالج دورها الإقليمي وما يعرف باسم الأذرع أو الميليشيات الإيرانية، خصوصاً في العراق ولبنان واليمن وسوريا، ما قبل سقوط نظام بشار الأسد.
نتيجة لهذه الثغرات وبضغوط إسرائيلية، فقد قرر الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، الانسحاب من هذا الاتفاق في عام 2018 خلال ولايته الأولى، وأعاد فرض عقوبات قاسية على إيران التي بدأت تعود تدريجياً إلى تنشيط برنامجها النووي وزيادة معدلات التخصيب إلى درجة 60% بدلاً من أقل من 3%. النتيجة من وجهة نظر خليجية أن هذا الاتفاق الذي وقعه أوباما وألغاه ترامب، قد ساعد في تقوية النفوذ الإيراني ولم يحجمه، والأهم أنه أعطى إيران تصوراً مفاده أنها يمكنها مواصلة ضغوطها وهيمنتها على المنطقة بأكملها. اليوم وبعد الحرب التي استمرت 40 يوماً، وشملت هجوماً أمريكياً إسرائيلياً على إيران، وعدواناً إيرانياً على بلدان الخليج، فإن السؤال الذي ينبغي أن يشغل بال الدول العربية في الخليج هو: كيف يمكن ضمان وجود صوت خليجي في المفاوضات الأمريكية الإيرانية؟
في هذا الصدد ينبغي وجود تمثيل خليجي واضح ومحدد يحمل وجهة النظر الخليجية في أي مفاوضات، بحيث يضمن ألا تعود إيران إلى أي اعتداءات على دول الخليج مستقبلاً. دول الخليج الست من دون استثناء أعلنت عن معارضتها للحشد العسكري الأمريكي حول إيران، وأعلنت بوضوح رفضها استخدام أجوائها أو أراضيها منطلقاً لأي هجمات ضد إيران. ومعظمها أعاد العلاقات مع إيران في السنوات الأخيرة، لكن حينما بدأت الحرب فوجئت هذه البلدان الست وكذلك الأردن بعدوان إيراني غير مسبوق طال العديد من المنشآت المدنية في الخليج طبقاً للبيانات الرسمية الحكومية، إضافة إلى منشآت الطاقة.. وبالتالي فإن المفاوضات ينبغي أن تكون شاملة وواضحة وتتضمن الإجابة عن كل الأسئلة التي تشغل بال الدول العربية الخليجية وتتضمن سلاماً حقيقياً قائماً على حسن الجوار وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول العربية.
الرجاء الانتظار ...