جمال الكشكي
قال محدّثي إن أجواء الحرب تضع تصوراً جديداً للشرق الأوسط، وإن هذا التصور ليس بالضرورة أن يكون على مقاس قوى بعينها، بل إن حالة التفاعل وحركة الصراع وحدها هي التي تحدد ذلك التصور الجديد، فهذه الحرب كاشفة لتقديرات ومفاهيم عدة على كل الأصعدة الإقليمية والعربية.ثم واصل محدّثي كلامه مشيداً بتجربة وفلسفة دولة الإمارات العربية المتحدة في التفاعل مع الحرب، ومع الاعتداءات الإيرانية عليها، مؤكداً أن دولة الإمارات جسدت مفاهيم الحكمة والقوة والإرادة، فلم تتورط في الرد الانفعالي.
لكنها كانت جاهزة للدفاع عن نفسها وعن مقدراتها، بما يقوض كل محاولات استهدافها ويجعلها رقماً مهماً في أي معادلات استقرار في الشرق الأوسط والإقليم. قاطعت محدّثي، قائلاً:
تقديرك السياسي هذا ينطلق من مرتكزات راسخة وثابتة من تأسيس الشقيقة دولة الإمارات العربية المتحدة بقيادة المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، فقد حرص حكيم العرب على بناء دولة وفق نظرة بعيدة المدى تقوم على أن الإنسان أساس التنمية، إيماناً منه بأن الثروة الحقيقية تكمن في الرجال لا في المال، وأن الاستثمار في تعليم وتمكين المواطن الإماراتي هو الطريق لبناء الدولة.
إضافة إلى فلسفة المؤسس في أن تقوم الدولة على مبدأ الشورى، والتواصل المباشر مع الشعب، فضلاً عن المحور المركزي المتعلق بالدبلوماسية السلمية، والعطاء الإنساني الذي ينبذ العنف ويمد يد العون للعالم دون تمييز، مؤكداً فكرة السلام والاستقرار.
وهنا أيضاً أتذكر واحدة من مقولات حكيم العرب: «إن هدفنا الأساسي في دولة الإمارات هو بناء الوطن والمواطنة، واللحاق بركب الأمم المتقدمة التي سبقتنا في محاولة منا لبناء بلدنا».
إن هذه الروح والفلسفة التي قامت عليها دولة الإمارات العربية المتحدة دفعتني إلى فهم ما جاء في دراسة عميقة صادرة عن مركز رع للدراسات الاستراتيجية، بعنوان: «معادلة الاستقرار..
كيف أدارت الإمارات أزمة الحرب؟». الدراسة تقدم قراءة عميقة، وتقدير موقف ينطلق من أرقام ودلالات، فالدراسة تحاول فهم أسباب استهداف الإمارات بالشكل الذي يجعلها تستحوذ على نحو نصف الهجمات الموجهة إلى دول الخليج، وسرعان ما تجيب الدراسة بأن السبب يكمن في أنها محاولة لاستهداف نموذج اقتصادي وسياسي ناجح، ومحاولة لاختبار قدرة دولة مركزية في المنطقة في الحفاظ على استقرارها في ظل بيئة إقليمية مضطربة.
اللافت للنظر أن هذه الدراسة توصلت إلى أن الدلالة الأهم لا تكمن فقط في حجم الاستهداف، بل في قدرة الدولة على التصدي لها دون أن تفقد توازنها الداخلي، أو تتعرض لانهيار اقتصادي أو اضطراب اجتماعي، وأن الإمارات لم تتعامل مع الأزمة باعتبارها مواجهة عسكرية فقط.
بل باعتبارها اختباراً شاملاً لقدرة الدولة على إدارة الأزمات في مستويات متعددة، تبدأ من حماية المجال الجوي وتمتد إلى تأمين الأسواق وسلاسل الإمداد، وصولاً إلى الحفاظ على ثقة المستثمرين والشركاء الدوليين.
ما استوقفني أيضاً في هذه الدراسة أنها قرأت بعناية أبعاد التفاعل الإماراتي في مواجهة الاعتداءات عليها، فمثلاً على الصعيد الاقتصادي، ترصد الدراسة استمرار العمل داخل الدولة، على الرغم من الهجمات المتكررة على منشآت حيوية، مثل الموانئ والمطارات، فقد حافظت الإمارات على موقعها مركزاً مالياً وتجارياً عالمياً دون توقف.
على الصعيد العسكري، كشفت الدراسة أن منظومة الدفاع الجوي الإماراتية خضعت لاختبار عملياتي مستمر، وليس حادثاً منفرداً، حيث تمكنت من اعتراض مئات الصواريخ والطائرات المسيّرة في بيئة قتالية معقدة، الأمر الذي يعكس مستوى متقدماً من الاحترافية والجاهزية الفنية والتنسيق العملياتي بين وحدات الرصد والتتبع والاشتباك.
على الصعيد الدبلوماسي، رصدت الدراسة أن الإمارات تحولت خلال الأزمة إلى مركز تواصل نشط، حيث تلقت خلال الساعات الأولى من التصعيد اتصالات من عشرات القادة حول العالم.
من الصعيد الدبلوماسي تنتقل الدراسة إلى الصعيد الإعلامي، لتؤكد أن دولة الإمارات تعاملت مع الأزمة بقدر عالٍ من الاحترافية والانضباط، وحرصت على تقديم رواية رسمية واضحة لما يجري على الأرض.
إذن ما بين ثوابت وتأسيس دولة الإمارات العربية المتحدة، وبين واقع الحرب وقدرة الدولة في مواجهة الأزمة، نجحت الإمارات في تأكيد نموذجها القائم على التحديث والبناء الاقتصادي والتكنولوجي والبشري، بما يجعلها قادرة على التحدي والاستجابة.
الرجاء الانتظار ...