الانتخابات الفلسطينية .. سباحة ضد التيار

محمد خالد الأزعر
إلى حد سياسي وإعلامي ملموس، طغت حرب الميدان الإيراني وتوابعها على ما عداها من أخبار وقائع موصولة بهموم شرق أوسطية أخرى، لطالما مثلت الشغل الشاغل للإقليم، بما فيها شؤون الحالة الفلسطينية المزمنة.. فبخلاف الأحداث التي بات معظمها مكروراً وظلت تتردد بوتائر وصيغ عابرة متقطعة كتلك المتعلقة بخروقات وقف النار في غزة، أو اعتداءات المستوطنين بحق الأقصى وأهل القدس، أو تهديد الإسرائيليين المتطرفين بضم الضفة أو القانون العنصري الذي ابتدعه الكنيست متوعداً به الأسرى الفلسطينيين بعقوبة الإعدام.. بخلاف ذلك ما عدنا نتوفر مثلاً على معلومات ضافية بشأن تطورات فارقة فلسطينياً، بما فيها تلك التي كانت متداولة بكثافة إلى وقت قريب، من قبيل مجريات تطبيق خطة ترامب الشهيرة حول مصير القطاع، وما تمخض عنها من مؤسسات وتكوينات كمجلس السلام وقوة الاستقرار الدولية الأمنية ولجنة غزة المحلية الإدارية، أو مباحثات نزع سلاح حركة حماس والانسحاب الإسرائيلي من أحشاء القطاع وجهود إعادة إعماره.
قبيل أن تفرض المستجدات الإقليمية الملتهبة شيئاً من السكون والإزاحة، على جانب كبير من تفاعلات القضية الفلسطينية الشهيرة بحساسيتها تجاه ما يدور من حولها، كان الرئيس الفلسطيني، محمود عباس، قد رمى حجراً في مياه النظام السياسي الفلسطيني التي شابها الركود مطولاً.. ذلك بأن أصدر مرسوماً بإجراء انتخابات عامة للمجلس الوطني أعلى سلطة تشريعية في منظمة التحرير الفلسطينية على أن تشمل أبناء الشعب الفلسطيني جميعاً في الوطن والشتات حيثما أمكن. وسواء جاءت هذه الدعوة على سبيل الاتساق مع الاشتراطات والضغوط المفروضة خارجياً من الوسطاء أصحاب الكلمة المسموعة وخطط السلام السياسية السارية ولو بتثاقل، وفي طليعتهم الرئيس ترامب، وكذلك من المانحين الاقتصاديين الكبار كالأوروبيين.. أم كانت استجابة لأشواق داخلية أصيلة في إصلاح النظامين السياسي والإداري وتنشيطهما وتصحيح مسارهما واستبدال ما فسد من دواليبهما، فإنها تبقى توجهاً حميداً يكمن عيبه الأكبر في صعوبات تطبيقه على أرض الواقع، لاسيما في ضوء المستجدات وإشعاعاتها بالجوار. من نص المرسوم، نفهم أن الرئيس عباس علق الاشتباك مع هذه الصعوبات والتصدي لها بذمة اللجنة الفلسطينية العامة للانتخابات، خلال فترة حدد سقفها بيوم التصويت في مفتتح نوفمبر المقبل.. وبهذا فقد ألقي على هذه اللجنة ما يعتبر قولاً ثقيلاً لغير علة ظاهرة وباطنة أبرزها خلو تجربة المنظمة من مثل هذا الإجراء الجذري، إذ لم يسبق أن تم تأليف مجلسها الوطني بالاقتراع المباشر منذ نشأتها ونشأته عام 1964، لا داخل فلسطين ولا خارجها، ما يعني أنه منوط باللجنة ومنشآتها إبداع أو تشييد نظام انتخابي بهذا الخصوص من نقطة الصفر تقريباً.. ولعمرك تلك مهمة بالغة الصعوبة، أقله لتعاملها مع جمهور من المرشحين والناخبين موزع مناصفة، داخل فلسطين في ثلاث كتل معلومة (الضفة والقدس وغزة)، وخارجها في كتل تعزّ عن الحصر تنتشر في طول المعمورة وعرضها، حيث بلاد اللجوء والشتات. وليس بلا مغزى بالنسبة لتدفق التواصل مع هذا الجمهور، ولا بالنسبة للتعرف على، والتعامل مع توجهاته الأيديولوجية وتفضيلاته السياسية بالغة التنوع، ولا بالنسبة لمدى الاحتكاك ومستوى وحرية النقاش بين عناصره من المرشحين والمصوتين، ولا بالنسبة لتنظيمه وإعداده وتهيئته للعملية الانتخابية العتيدة، أن كافة كتله أو تجمعاته تقع في التحليل الأخير وبمقادير متفاوتة تحت سيطرة سلطات أخرى.. أو لنقل أنه لا سلطان للأطر الفلسطينية عليها بالمعنى المباشر.
هذا غيض من فيض الإشكاليات الناجمة عن الصورة العامة لمصفوفة الاجتماع السياسي التي يخاطبها المرسوم التي لا يجوز الاعتقاد بأن عباس كان أو مازال غافلاً عن طبيعتها ولوجستيتها الاستثنائية، وما يغلفها ويحيط بها من تعقيدات ترد عليها وتناوشها من مصادر وبيئات داخلية وخارجية ضاغطة.. ويبدو أنه احتاط لهذه الحقيقة بعبارة حيثما أمكن، فاتحاً بذلك أمام لجنة الانتخابات بل وربما أمام المقصودين بالمشاركة في العملية الانتخابية من قوى سياسية وطنية بالترشح والتصويت، فضلاً عن عواصم الدول المضيفة للفلسطينيين، وتلك المعنية بالمتابعة والرصد والرقابة منافذ وسبلاً للتكيف معها بقدر أو آخر من الابتكار والمرونة. تقديرنا أن إنجاز هذه العملية في موعدها سوف يمثل استجابة فاعلة لتحديات جسام في إطار محددات غير مواتية.



شريط الأخبار