المعادلة الإماراتية في يوم التراث العالمي

د. موزة غباش

يستحضر الضمير الإنساني هذه الأيام التي نحتفل بها بيوم التراث العالمي سؤالاً بإلحاح: ماذا يحدث لذاكرة العالم حين تتساقط معالمه تحت ركام الحروب، أو تتآكل بصمت تحت وطأة الطبيعة، أو يسرق تراثها ويعرض في أسواق معتمة؟ هذا السؤال يفرض نفسه كونه حقيقة وجودية تمس معنى الإنسان، لأن التراث في جوهره وعي متصل، يمنح الإنسان امتداداً في الزمن، ويثبت حضوره في التاريخ.
في المشهد العالمي تظهر فجوة صارخة بين حجم الخطر وإيقاع الاستجابة، وكما نرى بأم أعيننا الآن فإن هناك مواقع تاريخية تنهار، ولغات تتلاشى، وذاكرة بشرية تنكمش، بينما تتحرك المنظومات الدولية ضمن دوائر بيروقراطية ثقيلة تبطئ الفعل، وتؤجل الحسم، وهذا الواقع يضع مؤسسات العالم المعنية أمام عجز بنيوي في تحويل الوعي إلى قرار، وفي نقل القلق إلى إنجاز.
من وجهة نظري كوني باحثة، تمثل الإمارات انتقالاً حاداً في فهم حماية التراث، حيث ارتقت به من مساحة خطاب ثقافي إلى موقع الفعل الاستراتيجي، وتمكنا، بفضل الله تعالى، ثم بفضل توجيهات قيادتنا الحكيمة، من ترسيخ ما يسمى «دبلوماسية التراث» وتعيينها أداة تأثير حقيقية، تجعل المسؤولية تجاه التاريخ حاضرة، وتضع الذاكرة الإنسانية ضمن أولويات العمل الدولي، عبر قرارات واضحة وتمويل مباشر، وتنفيذ ميداني محسوب.
نحن جميعاً ندرك أن بعض المعالم التاريخية في لتدمير مقصود، وقد برزت الحاجة إلى فعل يتجاوز البيانات، وجاء تأسيس التحالف الدولي لحماية التراث في مناطق النزاع «ALIPH» استجابة عملية لهذا الفراغ، كذلك التمويل السريع ودعم الشراكات الفاعلة والقدرة على التحرك في اللحظة الحرجة، وهذه العناصر كلها صنعت فرقاً ملموساً، حيث عادت معالم إلى الحياة، واستعادت شعوب أجزاء من ذاكرتها التي كادت تضيع.
وفي سياق التغير المناخي يتقدم الخطر بصمت، ويعيد تشكيل ملامح التراث العالمي، فأسرعت دولة الإمارات لتقديم نهج مختلف، يعتمد على الوقاية عبر دعم البحث العلمي وتطوير تقنيات ترميم متقدمة، وهذه المقاربة تعيد تعريف العلاقة بين التراث والبيئة، وتمنح المواقع التاريخية قدرة على الصمود في وجه التحولات المناخية المتسارعة.
وفي ملف تهريب الآثار ظهرت واحدة من أعقد الأزمات، التي تمس هوية الشعوب، فالقطعة الأثرية التي تنتزع من بيئتها تضيع في غياهب التجار الفاسدين، وتتحول إلى مجرد سلعة بلا قيمة حقيقية، لكن الحضور الإماراتي في هذا الملف حمل بعداً حاسماً، فتم وضع تشريعات دقيقة وتسريع التنسيق الدولي، وإيجاد مبادرات تستهدف شبكات التهريب بشكل مباشر، وقد حققت كلها مجتمعة حماية متقدمة لحل هذه المعضلة.
وعند الحديث عن الترميم يظهر تحدٍ مزمن مرتبط بالتمويل، خصوصاً في المشاريع الكبرى، حيث تحكي تجربة «إحياء روح الموصل» قصة الإرادة الإماراتية التي تمكنت من إعادة بناء ما تهدم، واستعادة ما انقطع، كذلك ترميم جامع النوري وكنيستي الطاهرة والساعة، الذي أعاد للمدينة توازنها الرمزي، ومنح سكانها إحساساً متجدداً بالانتماء.
يحتاج التراث العالمي إلى عقول تجمع بين المعرفة التاريخية والمهارة التقنية، ولا بد من إنشاء شبكات مراكز بحثية وتدريبية عالمية، تصنع الوعي التراثي المستدام، وتسهم في إعداد جيل جديد قادر على حماية التراث بأدوات معاصرة، أما التراث غير المادي فيمثل البعد الأكثر حساسية، لأنه يسكن الإنسان قبل أن يسكن المكان، فالحكايات، الفنون، العادات، كلها عناصر تشكل هوية المجتمعات، ولا شك في أن الجميع يعلم عن الجهود الإماراتية التي تفوقت في توثيق هذا التراث ومنحه فرصة للاستمرار، والمحافظة على حضوره في الوعي الجمعي، وهندسة وتخطيط علاقة الأجيال الجديدة بالتراث، حيث تقدمت الإمارات بنموذج يعيد تقديم التاريخ بلغة تفاعلية تستخدم التكنولوجيا، وتخاطب الحواس، وتفتح مسارات جديدة للفهم والارتباط.
وبما أن التراث يتخذ موقعاً فاعلاً في تعزيز السلم العالمي، وأن حماية معالم الآخر تعكس احتراماً لإنسانيته، وصون تاريخه يعزز الاستقرار الثقافي، وأن إدماج التراث في الاقتصاد الثقافي يعيد صياغة دوره داخل المجتمع، حيث يتحول إلى عنصر إنتاجي حي، يسهم في التنمية ويعزز الاستدامة، فإن هذه الرؤية جعلت من المبادرات الإماراتية المتنوعة والعديدة منصات للحوار، ومساحات للتلاقي الحضاري والإنساني.
في تقديري تكمن قوة النموذج الإماراتي في وضوح قراره وسرعة تنفيذه، وفي قدرته على تحويل القيم إلى سياسات، والرؤية إلى نتائج ملموسة، حيث إن المعادلة الإماراتية لحماية التراث جاءت من قيم وهوية الإمارات الأصيلة وحرصها على تقديم فعل إنساني مباشر، يعيد للذاكرة حضورها، ويمنح الشعوب حقها في تاريخها.
في يوم التراث العالمي، وفي جميع أيامه فإن ما يتشكل حالياً يمثل تحولاً حقيقياً في دور الثقافة عالمياً، حيث تنتقل من موقع العرض إلى موقع التأثير، ولا بد أن تترك الرسالة الإماراتية أثرها على المؤسسات والشعوب: إن من يحمي ذاكرته الإنسانية يكتب مستقبله بثقة، ويصوغ حضوره في العالم بوعي راسخ ومسؤولية عميقة.



شريط الأخبار