الشيخ زايد .. إرث عربي وعالمي

د. موزة غباش
خلال أسفارنا وجولاتنا ولقاءاتنا في العديد من دول العالم، كثيراً ما كان يحدث أمر يتكرر بصورة لافتة.. ما إن يعلم من نلتقيهم أننا من دولة الإمارات العربية المتحدة، حتى يبدأ الحديث تلقائياً عن المغفور له، الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، بعضهم يتذكر موقفاً إنسانياً، وبعضهم يستحضر مشروعاً تنموياً وصل إلى بلده، وآخرون يتحدثون عن حكمته، أو عن صورة القائد العربي الذي ارتبط اسمه بالعطاء والتسامح وبناء الإنسان. وفي كل مرة كنت أستمع إلى هذه الأحاديث.
كنت أدرك أن الشيخ زايد لم يعد مجرد شخصية وطنية عظيمة في ذاكرة الإماراتيين، بل أصبح جزءاً من الذاكرة الإنسانية لشعوب كثيرة، عرفت الرجل من خلال أثره، قبل أن تعرفه من خلال الكتب والوثائق والصور.

ذلك الحضور الاستثنائي في وجدان الناس، تشكل عبر عقود طويلة من العمل والرؤية والعطاء، فحين يُذكر الشيخ زايد، تحضر في الأذهان قصة قائد استطاع أن يقود مشروعاً وحدوياً وتنموياً، أصبح نموذجاً يحتذى به، كما تحضر سيرة إنسان آمن بأن بناء الأوطان يبدأ من بناء الإنسان، ولهذا ارتبط اسمه بالتعليم والصحة والتنمية، وتمكين الإنسان والارتقاء بكرامته وجودة حياته.
وقد نظر الشيخ زايد، رحمه الله، إلى الإنسان باعتباره الثروة الأهم في أي مجتمع، ورأى في العلم والمعرفة والاستثمار في العقول الطريق الأقصر نحو المستقبل، وهي رؤية ما زالت دولة الإمارات تجني ثمارها حتى اليوم.

وعندما نتأمل مسيرة الاتحاد، ندرك أن الشيخ زايد كان يفكر بعقل رجل دولة، يرى الأجيال القادمة قبل أن يراها الآخرون، فقد نجح مع إخوانه الحكام المؤسسين، في تحويل حلم الوحدة إلى واقع، أصبح اليوم واحداً من أنجح النماذج الوحدوية في العالم العربي الحديث، وما زالت ثمار ذلك القرار التاريخي تنعكس على حياة الملايين الذين يعيشون على أرض الإمارات، وينعمون بما تحقق من أمن واستقرار وتنمية.

وفي الذاكرة الخليجية، يحتفظ الشيخ زايد بمكانة خاصة، ارتبطت بإيمانه العميق بأن قوة الخليج تنبع من وحدة أبنائه وتماسكهم، وقد شكلت جهوده في دعم مسيرة مجلس التعاون الخليجي، محطة مفصلية في تاريخ المنطقة، انطلاقاً من قناعته بأن المصير المشترك يحتاج إلى رؤية مشتركة، وإرادة مشتركة أيضاً، ولهذا بقيت دعواته إلى التقارب والتعاون والتفاهم، حاضرة في وجدان أبناء الخليج، حتى يومنا هذا.
كما تحتفظ الذاكرة العربية بصورة أخرى للشيخ زايد، صورة القائد الذي حمل هموم أمته في قلبه، وتعامل مع قضاياها بروح المسؤولية والالتزام الأخلاقي، من فلسطين إلى لبنان، ومن مصر إلى المغرب واليمن، وغيرها من الدول العربية، امتدت أيادي الإمارات بالعطاء والمساندة والتنمية، مدفوعة برؤية إنسانية وقومية، آمنت بأن استقرار المنطقة وازدهارها مسؤولية مشتركة.
ولعل ما يميز إرث الشيخ زايد، أنه امتد إلى الجانب الإنساني، الذي جعل اسمه معروفاً في مختلف أنحاء العالم، فقد تحولت مبادرات العطاء التي أطلقها إلى مؤسسات راسخة وفاعلة، استمرت في تقديم الدعم للمحتاجين، وبناء المدارس والمستشفيات وشبكات المياه والبنية الأساسية في عشرات الدول، ولهذا ارتبط اسم زايد في أذهان الملايين بمعاني الخير والنجدة والأمل.
وعندما نتأمل إرث الشيخ زايد اليوم، تتقدم إلى الواجهة منظومة متكاملة من القيم الإنسانية، التي تزداد أهمية مع تعقيدات العالم المعاصر.. فقد حمل الشيخ زايد، رحمه الله، رؤية تقوم على التسامح والتعايش واحترام التنوع الثقافي والإنساني.
ورأى في الحوار بين الشعوب طريقاً للاستقرار والتفاهم وبناء مستقبل أكثر أمناً وازدهاراً، ولهذا بقيت الإمارات نموذجاً عالمياً، يحتضن مئات الجنسيات والثقافات في بيئة يسودها الاحترام المتبادل والشعور المشترك بالانتماء، إلى مجتمع يؤمن بالإنسان وقيمته وكرامته.

وامتدت هذه الرؤية لتشمل علاقة الإنسان بأرضه وبيئته، فارتبط اسم الشيخ زايد بمشروعات التشجير، وحماية الحياة الفطرية، والمحافظة على الموارد الطبيعية، انطلاقاً من إيمان عميق بأن التنمية والبيئة شريكان في صناعة المستقبل..
ومن هذه القيم الإنسانية والبيئية، تشكلت المكانة الاستثنائية التي يحتلها الشيخ زايد في وجدان الشعوب، حيث تتوارث الأجيال قصص عطائه وحكمته ومواقفه النبيلة، وتستحضر سيرته بوصفها نموذجاً للقائد الذي ترك أثراً طيباً في حياة الناس.

فحملوه في ذاكرتهم بمحبة صادقة ووفاء دائم. رحم الله الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، وأدام على دولة الإمارات نعمة الوفاء لنهجه، وحفظ لهذا الوطن قيادته الحكيمة وشعبه الكريم، لتبقى القيم التي زرعها المؤسس حاضرة في وجدان الأجيال، تضيء الطريق، كما أضاءته منذ البدايات الأولى.



شريط الأخبار