الإمارات في قمة G7 .. دبلوماسية الحكمة وصناعة الاستقرار العالمي

فيصل الشامسي

في تغريدة لصاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، عقب مشاركته في قمة مجموعة السبع في فرنسا، لخّص سموه بعبارات موجزة وعميقة جوهر الدبلوماسية الإماراتية، حين أكد أن المشاركة كانت «فرصة مهمة للحوار وتبادل وجهات النظر حول الأوضاع في منطقة الشرق الأوسط»، مؤكداً سموه على «أهمية العمل من أجل السلام المستدام في المنطقة»، ومبرزاً نهج الإمارات «باعتبارها شريكاً فاعلاً» في التعامل مع الأهداف والتحديات العالمية المشتركة. هذه العبارات لا تقف عند حدود التصريح السياسي، وإنما تحمل في عمقها رؤية دولة، وفلسفة قيادة، وموقعاً إماراتياً رفيعاً في هندسة مسارات الاستقرار الإقليمي والدولي.
حين يتحدث صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، عن الحوار، فهو لا يقدمه كخيار دبلوماسي عابر، وإنما كأداة استراتيجية لإدارة الأزمات، وتفكيك التعقيدات، ومنع الانزلاق نحو مسارات التصعيد. فالمنطقة، بما تحمله من أزمات متراكمة وتحديات أمنية وسياسية واقتصادية، تحتاج إلى عقول هادئة، وقيادات حكيمة، ومقاربات واقعية تتجاوز منطق الشعارات والانفعالات. ومن هنا تأتي أهمية الحضور الإماراتي في قمة عالمية كبرى مثل قمة مجموعة السبع؛ فهو حضور دولة لا تكتفي بمراقبة المشهد، وإنما تشارك في صياغة الرؤى، وتقريب وجهات النظر، وفتح مساحات جديدة للتفاهم والتعاون.
إن عبارة «السلام المستدام» تمثل مفتاحاً مركزياً لفهم السياسة الخارجية الإماراتية. فالسلام في النهج الإماراتي ليس توقفاً مؤقتاً للصراع، ولا تسوية شكلية تُرحّل الأزمات إلى المستقبل، وإنما مشروع طويل النفس يقوم على التنمية، والاستقرار، واحترام سيادة الدول، وتعزيز التعايش، وتمكين الإنسان، وبناء المصالح المشتركة. السلام المستدام يعني معالجة جذور الأزمات لا الاكتفاء بتهدئة نتائجها؛ ويعني بناء بيئة سياسية واقتصادية واجتماعية تمنح الشعوب فرصة الحياة الآمنة والكريمة. وهذه هي المدرسة التي رسختها دولة الإمارات بقيادة سموه؛ مدرسة ترى أن الأمن لا ينفصل عن التنمية، وأن الاستقرار لا يتحقق من دون شراكات، وأن المستقبل لا يُبنى في بيئة يسودها التوتر والانقسام.
واللافت في الخطاب أنه يضع الإمارات في موقع «الشريك الفاعل»، لا الدولة المتلقية للتحولات. وهذه دلالة استراتيجية بالغة الأهمية؛ فالإمارات اليوم لم تعد مجرد نموذج تنموي ناجح في محيطها، وإنما أصبحت طرفاً موثوقاً في صياغة المعادلات الدولية، وصوتاً حكيماً في القضايا الكبرى، وجسراً بين الشرق والغرب، والشمال والجنوب. والفاعلية الإماراتية لا تقوم على الضجيج السياسي، وإنما على المصداقية، والاتزان، والقدرة على بناء العلاقات، وتحويل الثقة الدولية إلى مسارات عمل ملموسة. لذلك يحضر اسم الإمارات حيثما يكون الحديث عن السلام، والطاقة، والمناخ، والأمن، والتنمية، والتكنولوجيا، والمساعدات الإنسانية، وصناعة المستقبل.
ومن يقرأ ما وراء الكلمات يدرك أن الرسالة الأعمق تتصل بمكانة الإمارات في النظام الدولي الجديد. فالعالم لم يعد يحتمل السياسات المنغلقة، ولا الاصطفافات الحادة، ولا الحسابات الضيقة التي تعمّق الأزمات. والتحديات العالمية المشتركة، من النزاعات الإقليمية إلى أمن الطاقة والغذاء والمناخ والتطرف والتحولات الاقتصادية، تحتاج إلى دول تمتلك الحكمة والقدرة والمصداقية. وهنا يبرز النموذج الإماراتي كنموذج دولة تعرف كيف تحمي مصالحها الوطنية العليا، وفي الوقت نفسه تسهم في خدمة الاستقرار العالمي، من دون تناقض بين الوطنية الراسخة والانفتاح الإنساني المسؤول.
كما أن الربط بين ازدهار شعب الإمارات وازدهار شعوب العالم يكشف البعد الإنساني العميق في رؤية سموه. فالإمارات لا تنظر إلى الازدهار باعتباره مكسباً وطنياً معزولاً، وإنما باعتباره جزءاً من منظومة عالمية مترابطة؛ فاستقرار المنطقة ينعكس على العالم، وأمن العالم يؤثر في المنطقة، والتنمية حين تتسع تقلل فرص التطرف والفوضى والصراع. وهذه الرؤية نابعة من إدراك قيادي راسخ بأن قوة الدول لا تقاس فقط بما تملكه من موارد، وإنما بما تصنعه من أثر، وما تبنيه من جسور، وما تقدمه من إسهام في حماية مستقبل الإنسان.
لقد أثبتت دولة الإمارات، بقيادة صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، أن الدبلوماسية الهادئة قد تكون أعمق أثراً من الخطابات الصاخبة، وأن الحكمة في القرار تصنع احترام العالم، وأن الثبات في المبادئ يمنح الدولة مكانتها بين الكبار. ومن قمة مجموعة السبع إلى مختلف المنصات الدولية، تمضي الإمارات برسالة واضحة: «نحن دولة سلام وعمل، دولة شراكات لا صراعات، دولة تبني ولا تهدم، تجمع ولا تفرق، وتستثمر كل فرصة من أجل مستقبل أكثر أمناً واستقراراً وازدهاراً لشعبها، ولشعوب المنطقة والعالم».
إن جوهر الرسالة أن الإمارات لا تتحرك بردة الفعل، وإنما برؤية؛ ولا تبحث عن حضور مجرد، وإنما عن أثر مستدام؛ وترى في التحديات فرصة لصناعة حلول أكثر حكمة واتزاناً. وهكذا تتجلى قيادة صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، قيادة تجمع بين صلابة المبدأ ومرونة الدبلوماسية، بين حماية المصالح الوطنية وبناء الشراكات العالمية، وبين الإيمان العميق بأن السلام ليس أمنية، وإنما مسؤولية تصنعها الدول الحكيمة بالفعل والعمل والثبات والمصداقية.



شريط الأخبار