أ.د. محمّد عبد الرّحيم سلطان العلماء
هناك رجال اختارتهم الأقدار لكي يكونوا في مكان لا يملؤه أحد سواهم، وهناك فرسان قد مُلئت قلوبهم حكمة وشجاعة وحزماً ورقّة، وهم بين أهل زمانهم واسطة العقد التي يزدان بها الزمان، وإن من هؤلاء بل في طليعتهم سيدي صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة، رئيس مجلس الوزراء، حاكم دبي، رعاه الله، ذلكم الرجل الذي جاء واسطة العقد في آل مكتوم، ففي شخصيته عَبقُ الآباء والأجداد بما يحمل في قلبه من الذكريات والمواقف عن رجالهم الكبار.
وفي عينيه بريق المستقبل الزاهر حين يتحدث عن أبنائه ويصقل شخصياتهم ويدربهم على تحمل أعباء الحكم والمسؤولية، فكان بهذا الموقع الفريد وارثاً وفياً لمجد آبائه، ووالداً مُلهِماً للصناديد من أبنائه، فأنت من شخصيته في روضة غنّاء بكل ما يبهج القلب ويسر الخاطر ويشحذ الهمة، ويعمق معنى الأصالة والوفاء.
حين يقترب الإنسان من هذه المنطقة، منطقة علاقة صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد بوالديه وأشقائه وأبنائه يشعر بشيء من الحيرة التي تقترب من حدود الرهبة، فهو حين يتكلم عن هذه العلاقة يتكلم عنها بمِداد القلب ويصل إلى حالة من الرقّة التي تعبر عن حجم إنسانيته ووفائه وبره بوالديه وحبه لأشقائه وأبنائه.
وهذا ملمح إنساني يبتعد عنه القادة السياسيون في أغلب الأحيان، لكن صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد يتكلم بروح متوهجة بالحب والوفاء، ومن أراد أن يلمس هذه الروح فليقرأ ما كتبه عن والدته طيبة الذكرى المغفور لها الشيخة لطيفة بنت حمدان آل نهيان، حيث وصل إلى ذروة عاطفية تحرك أعمق المشاعر وهو يتكلم عن شخصيتها الفريدة في سيرته الذاتية (قصتي: 50 قصة في خمسين عاماً).
وأما والده طيب الذكرى المغفور له الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم، رحمه الله، فهو صاحب الحضور الأعمق في هذه السيرة، وكأنها تاريخ لشخصيته بكل مناقبها وأخلاقها وسيرتها في هذه الحياة التي عاشها معه صاحب السمو بكل يقظة وحب وإجلال حتى قال ذات يوم تعبيراً عن المنزلة العظيمة لوالده في قلبه: «أبي والخيل ودبي هي ذكرياتي الأولى عن طفولتي، أبي والخيل ودبي هي ذاكرتي التي ستبقى معي حتى النهاية».
قبل ستة وثلاثين عاماً غادر الشيخ راشد هذه الدنيا الفانية إلى رحمة الله الواسعة، وكتب عنه صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد قصة تدمع لها العين وهو يقص السنوات الأخيرة من حياة والده الذي فُجع برحيل رفيقة دربه الشيخة لطيفة بنت حمدان، رحمها الله، وظل يتجرع مرارة فقدها سبع سنوات حتى غادر هذه الدنيا.
وخلال هذه المدة الطويلة لم ينسَ صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد هذين الأبوين الكريمين، وظل شديد الوفاء لهما، لا بل لم يجد أدنى حرج أن يذرف الدمع في إحدى المناسبات حين ذُكرت والدته أمامه، حيث استرجع طيفها النبيل واغرورقت عيناه بالدموع أمام الآلاف من الناس تعبيراً عن إنسانيته الصادقة التي هي جوهر شخصيته وسر قبوله في هذه القلوب التي تحبه وترى فيه قائداً مُلهِماً وإنساناً نادراً يستحق كل محبة وولاء وتقدير.
في سياق هذا الحب الصادق للوالدين نشر صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد تغريدة قليلة الكلمات لكنها بديعة الدلالة على نبل قلبه وعمق وفائه لوالده الجليل بمناسبة يوم الأب، حيث قال: «في يوم الأب نستذكر فضلهم، نستذكر سيرتهم ومسيرتهم، نحن ما زرعوا، نحن ما صنعوا وبنَوا، نحن ما تركوا، رحمهم الله وحفظ الله من بقي منهم».
ففي هذه الكلمات القليلة يؤكد صاحب السمو أن الذاكرة لن تنسى الفضل الكبير للآباء، ولن تنسى سيرتهم العاطرة ومسيرتهم الزاهرة التي تجسدت في هذا العطاء الكبير للوطن والإنسان، ثم يختزل هذه العلاقة كلها في قوله: نحن ما زرعوا، للتأكيد على عمق الأواصر التي تربط الأبناء بالآباء، وأن هذا الوفاء هو حق لهم، داعياً للأموات بالرحمة وللأحياء بطول العمر والبقاء.
ولأن البِر والوفاء للوالد وتعظيم حقه خُلق راسخ في آل مكتوم، نشر سمو الشيخ حمدان بن محمد بن راشد آل مكتوم، ولي عهد دبي، نائب رئيس مجلس الوزراء وزير الدفاع، رئيس المجلس التنفيذي لإمارة دبي، مقطعاً يشتمل على مجموعة من الصور التي تحكي قصة حبه لوالده وحب والده له.
حيث يحتضنه بقلبه وروحه ويرعاه ويرشده ويسدد طريقه في مسيرته الزاهرة التي بلغ فيها هذه المنزلة الكبرى في نفس والده وبين رجال وطنه، وكذلك فعل سمو الشيخ مكتوم بن محمد بن راشد آل مكتوم، النائب الأول لحاكم دبي، نائب رئيس مجلس الوزراء، وزير المالية، حين كتب تغريدة بديعة مفعمة بالحب والوفاء استلهم فيها الدروس العميقة التي تعلمها في مدرسة والده صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد، وافتتحها بقوله:
«تعلمت من مدرسة محمد بن راشد أن الأبناء هم امتداد لسيرة آبائهم واستكمال لما بدأوا به، وأن أعظم سعادة للأب عندما يرى نجاح أبنائه ماثلاً أمام عينيه»، ففي هذه الكلمات المتوهجة بالوفاء يؤكد سمو الشيخ مكتوم تلاحم العلاقة بين الآباء والأبناء، وأن هذا الدرس قد تعلمه في مدرسة والده القائد المُلهم صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد، الذي تغمره السعادة حين يرى هؤلاء الفرسان وهم يقدمون أفضل ما لديهم في سبيل وطنهم وسعادة مواطنيهم.
«تعلمتُ من مدرسة والدي أننا وُلدنا لنكمل مسيرة حُكم أساسها الخير وسعادة الناس، وعشنا ونحن نرى سموه يحمل في قلبه وفكره أمانة والده الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم ليكمل مسيرته العطرة ويستكمل بناء هذا الوطن ويحقق طموح شعبه الذين يرون في حاكمهم أباً، ويرى فيهم أبناءه»، لتكون هذه الكلمات تلخيصاً بديعاً للأثر العميق الذي تركه صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد في أبنائه الذين رباهم على عينه، وغرس فيهم حب الوطن وحكمة التعامل مع أبناء وطنهم الذين يبادلونهم حُباً بحُب ووفاءً بوفاء، ليختم سمو الشيخ مكتوم هذه التغريدة الجميلة بقوله:
رؤى راشد بن سعيد باقية في طموح محمد بن راشد، مؤكداً بذلك تواصل هذا الإرث من الوفاء بين أجيال العطاء من آل مكتوم الكرام.
وتكتمل دائرة الوفاء للأب حين نشرت سمو الشيخة لطيفة بنت محمد بن راشد آل مكتوم، رئيسة هيئة الثقافة والفنون في دبي، تغريدة في غاية النُّبل تحت عنوان «مُلهمي وداعمي الأول:
كل عام وأنت بخير»، لتعبر بعد ذلك عن الحضور العميق لوالدها في شخصيتها، وكيف أنها تعلمت منه كل فضائل الحياة وقيمها النبيلة، حيث تقول: «معك بدأت الحكاية، من قِيَم زرعتها في وجداني إلى أثر أنار لي دربي، أثر حاضر في قلبي، حاضر فينا، اليوم وكل يوم»، لتكون هذه الكلمات خير تعبير من سيدة من سيدات آل مكتوم عن الشخصية الإنسانية لوالدها الفارس الذي عاش هذه الحياة قائدا مُلهِماً، وبانياً عظيماً وشاعراً رقيقاً تفتخر به الدنيا ويزهو به مجد الوطن.
الرجاء الانتظار ...