سليمان جودة
في الرابع من يوليو، يحل الموعد السنوي ليوم الاستقلال الوطني الأمريكي، وعندما حل في أول هذا الشهر كان مختلفاً هذه المرة عن كل المرات السابقة، وكان اختلافه راجعاً إلى أن الأمريكيين جاء عليهم وقت احتفلوا فيه بالعيد الفضي لقيام الولايات المتحدة ثم الذهبي ثم الماسي، فلما جاءت هذه السنة احتفلوا بمرور قرنين ونصف القرن من الزمان على نشأة بلادهم باسمها الذي يعرفونه الآن ونعرفه.
وكانوا في عام 1976 قد احتفلوا بمرور مئتي سنة على قيام بلاد العم سام باسمها الحالي المعتمد بين بلاد الدنيا.
ولأن هذه الذكرى تحل بينما الرئيس في البيت الأبيض هو دونالد ترامب، فإن الاحتفال بها بدا مختلفاً كل الاختلاف، كما أن الرئيس ترامب كان قد أشار منذ وقت مبكر من هذه السنة إلى أن الأمريكيين سيحتفلون في الرابع من يوليو بالذكرى كذا، وأن هذه الذكرى مختلفة تماماً عما سبقها، وأنه سيعمل على أن تكون كذلك.
ومن بين وجوه الاختلاف مثلاً أن ترامب أبدى رغبته في استحداث ورقة من فئة 250 دولاراً وأن توضع عليها صورته.
تماماً كما أن أوراق الفئات المختلفة من الدولار تحمل صوراً لزعماء أمريكيين مختلفين، من أول ورقة الدولار الواحد إلى الخمسة دولارات إلى العشرة إلى العشرين إلى الخمسين إلى المئة التي تحمل صورة لجورج واشنطن الذي قيل عنه إنه أبو الأمة، وكان أحد الآباء المؤسسين الستة للبلاد وأول رئيس.
أبدى الرئيس ترامب هذه الرغبة في أحاديثه للإعلام، ولا أحد يعرف ما إذا كان ذلك سيتم بالفعل، أم أن الأمر مجرد خاطرة طافت في رأسه فأعلنها على الأمريكيين والعالم ثم نسيها؟ وبصرف النظر عما إذا كنا سنرى ورقة من الدولار من هذه الفئة أم لا، فإن حلول هذه الذكرى قد أثار الكثير من الكلام عن تاريخ الولايات المتحدة الأمريكية، وعن مسيرتها التي بدأت عام 1776 في ثلاث عشرة ولاية، وانتهت بخمسين كما نعرف، وهي ولايات تبدو وكأن كل واحدة منها دولة في حد ذاتها، من حيث نظام حياتها، ومن حيث قانونها الحاكم لحياتها على شتى المستويات.
لقد قيل دائماً، وهو صحيح، إن الولايات الخمسين لا يربط بينها سوى شيئين اثنين، هما العُملة الوطنية والجيش، وما عدا ذلك يجعلك تشعر عند الانتقال من ولاية إلى أخرى وكأنك انتقلت من دولة إلى دولة، فلا توجد في الولايات الخمسين عملة سوى الدولار، ولا توجد ولاية لها جيش يخصها، وإنما الجيش هو جيش الولايات مجتمعة لا جيش ولاية دون ولاية.
أما ما عدا ذلك فهو مختلف من ولاية لأخرى، ويمكنك مثلاً أن تجد أن هذه الولاية من الولايات الخمسين تطبق عقوبة محددة على جريمة معينة، بينما ولاية أخرى لا تطبقها وتطبق عقوبة مختلفة وهكذا وهكذا.
وربما يكون هذا في حد ذاته سراً من بين أسرار قوة الولايات المتحدة كبلد بين بلاد العالم، بل سر انفرادها بموقع القوة الأكبر بين بلاد الدنيا منذ الحرب العالمية الثانية إلى اليوم.
التنوع سر من أسرار الولايات المتحدة الأمريكية، وفي الوقت الذي كانت بلاد كثيرة لا ترى ذلك التنوع على أرضها، وقد تقاومه وتحاربه، كانت الإدارات الأمريكية المتعاقبة منذ إدارة الرئيس الأول إلى إدارة الرئيس ترامب نفسه رغم موقفه من المهاجرين إلى إدارة الرئيس القادم من بعده، ترى ما يتعين عليها أن تراه في التنوع وتحترمه.
الرجاء الانتظار ...