محمد بن راشد .. رؤية فذّة ومسيرة مُلهمة

أ.د. محمّد عبد الرّحيم سلطان العلماء
عشرون عاماً من الإنجاز للوطن
يا هيبةَ الدار يا سيفاً على المِحَنِ
محمّد الخير يا ناموسَ ديرتنا
ويا شُعاعاً كمثل البدر في الدُّجَن
في يوم عيدك يزهو الشعب مفتخراً
مثلَ الطيور إذا غنّت على فَنَنِ
وبعد: فها هو الوطن الحبيب يعيش فرحة الذكرى العشرين لتولّي صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، لهذه المسؤوليات الجِسام، في الرابع من يناير عام 2006، وهي ذكرى عزيزة على قلب كلّ إنسانٍ يعيش على ثرى هذا الوطن، مواطناً كان أو ضيفاً عزيزاً على الإمارات من الأشقّاء والأصدقاء الّذين وجدوا حياتهم المعطاءة في هذا الوطن الطيّب الأصيل، وذلك لِما لصاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم من منجزاتٍ جديرةٍ بكلّ حفاوةٍ وتقديرٍ واحترامٍ، تجلّت في هذه النهضة المعنويّة والمادّية لهذا الوطن الأصيل، وإنسانه الوفيّ النبيل.
لقد كان حقّاً واجباً لسموه أن نحتفي بهذه المناسبة الميمونة، الّتي تجسّد قصة رائعة من التلاحم النادر بين القيادة والشعب في دولة الإمارات العربيّة المتّحدة، الّتي انبثقت نشأتها وترسّخت مسيرتها قبل أكثر من خمسين عاماً، على هذه الثقة المتينة بين القيادة والشعب، والّتي ترتقي في جوهرها إلى نوعٍ نادرٍ من الحبّ العميق، والولاء الصادق، الّذي لا مجال للمساومة عليه، ما انعكس على جميع أشكال الحياة في هذا الوطن الذي نُحبّه ويُحبّنا، ويُقدّم لأبنائه أروع أنماط الحياة والخدمات والكرامة الوطنيّة، الّتي تعمّق حس الولاء والحبّ في قلوب أبناء هذا الوطن، وتدفع بهم نحو مزيد من الالتفاف حول راية الوطن وقيادته الحكيمة.
حين يتكلّم الإنسان عن صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، يشعر بشيء من الرهبة والحيرة، بفضل ضخامة المسيرة الحافلة لسموه، والّتي تقترب من عامها الستّين، وهي مسيرة حرص سموه على تدوين بعض ملامحها في ما كتبه من كتبٍ ثمينة، جاءت شاهدة على عمق تجربته في الحُكم والإدارة العليا، ومشتملة على طبيعة التحدّيات، وتفرّد المنجزات الّتي تم إنجازها تحت قيادة سموه، ومن خلال توجيهه المباشر، وقدرته الاستثنائيّة على اتخاذ القرارات الصعبة، الّتي تقترب في كثيرٍ من الأحيان من حدود المستحيل، لكنّ إرادته النافذة وعزيمته الماضية وبصيرته الفذّة، كانت وراء كلّ هذه المنجزات وأمامها، فسموه هو القائد الّذي يمشي إلى جانب فريقه، ويتقدّمهم، ويحوطهم برعايته، ويتحمّل معهم كلّ المسؤوليات، حتى أصبحت الإمارات نموذجاً يُحتذى في قوة الإدارة، وضبط إيقاع الأداء الحكوميّ، بما يحقّق المصالح العليا للدولة والمجتمع، وهو الأمر الذي نراه ماثلاً للعيان، وأصبح واقعاً متحقّقاً، وليس مجرّد خيالاتٍ وأحلامٍ يتمّ بها دغدغة عواطف المواطنين، وتكون المحصّلة النهائية سراباً لا ماء فيه.
حين كتب صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم سيرته الذاتية الأولى (قصتي: 50 قصة في خمسين عاماً)، افتتح هذا الكتاب البديع بمقدّمة تفيض محبة ووفاءً لهذا الوطن الكبير، وهذا الشعب النبيل، وكان ممّا قاله هناك، وهو مما يعبّر أصدق تعبير عن المكنون الأخلاقي لسموه، هو قوله: «الحمدلله الّذي سخّرني لعملٍ أُحبّه، ألا وهو خدمة شعبي، الحمدلله على حُبّ الوطن»، لتكون هذه الكلمات الصادقة مفتاحاً لتفسير جميع العواطف الكبرى التي يتشكّل منها وجدان هذا الفارس الجسور، الّذي اقتحم الحياة وهو في ريعان الشباب، واقتبس الحكمة والحزم والصفاء من المغفور لهما الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان والشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم، ليظلّ هذان المعلّمان مصدر إلهام لهذا القائد الفذّ، الّذي يترك بصمته الناصعة على كلّ عملٍ ينهض بأعباء تحقيقه، مهما كانت التحدّيات والعقبات.
ومنذ أن تسلّم سموه مناصبه العليا الثلاثة الآنفة الذكر، وهو يخوض معركة البناء الكبرى، ألا وهي بناء الوطن والإنسان، وأبدع في صياغة معادلةٍ للحكم، تقوم في فلسفتها على العمق والبساطة، وتتلخّص في كلماتٍ معدوداتٍ، هي أنّ الحكومات إنّما وُجدت لخدمة الشعوب، وليس للهيمنة عليها، والاستبداد بخيرات الوطن، وإدارة الظهر للواجبات والمسؤوليات، فالعمل في المواقع العليا في صحبة صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، يتطلّب نماذج متفرّدة، يسري حبّ الوطن في عروقها، ومستعدّة لتقديم الغالي والنفيس في سبيل رفعة الوطن، وترقية نمط الحياة فيه، من خلال القدرة على التفكير المبتكر، والخروج من صندوق الموظف الروتينيّ، الّذي هو في صميم حقيقته عبءٌ على الدولة والمواطنين.
إنّ الحديث عن الحكومة ومنجزاتها وآفاق حركتها، بقيادة صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، هو أمرٌ في غاية المشقة والصعوبة، فأنت تتكلّم عن بحرٍ زاخرٍ من الخطط الّتي يتمّ إنجازها في أسرع وقتٍ ممكن، بحيث يصعب ضبط الإيقاع السريع لوتيرة الحكومة في التخطيط والتنفيذ، وترتكز حكومة سموه من حيث المبدأ، على مجموعة من المبادئ الّتي تضمن لها الأصالة والحداثة والإنجاز، والّتي تتألّف من الرباعيّة القويّة: التميز، والابتكار، وخدمة الناس، والتطوير المستمر، وحين نتفحّص هذه العوامل المتكاملة، نجد أنّها كفيلةٌ بإنجاح مسيرة أيّ دولة، حين يتمّ التقيّد بها والإضافة إليها، ومن أجل تحقيق هذه الأهداف، كانت هناك مجموعة من الجوائز الّتي تحقّق عنصر التحفيز، وتدفع إلى التميّز، مثل جائزة التميز الحكوميّ لتبادل أفضل التجارب والممارسات، ما يُثري تجربة الدولة، ويزيد من خبرات العاملين في القطاع الحكومي، من خلال هذا الاحتكاك المنهجيّ الّذي يستثمر في طاقة الإنسان المبدعة، بالإضافة إلى مركز محمّد بن راشد للابتكار الحكومي لدمج الابتكار في العمل، وتطوير خدمات حكوميّة ذكيّة، لتحقيق الهدف الأسمى في فكر صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، وهو تسهيل الحياة أمام المواطنين، والّذي يشكّل الهاجس الأعمق في سياسة سموه في تطوير أعمال الحكومة، فلا قيمة للحكومة في نظر سموه، ما دام المواطن يعاني من سير المعاملات، ولذلك كان من سياسة سموه الحاسمة الحازمة، مبدأ تصفير البيروقراطيّة في جميع مؤسّسات الدولة، وهو هدفٌ يشبه تحقيقه الخيال، لكنّ العزيمة الماضية لسموه وحكومته النشيطة الساعية في خير الوطن والمواطن، كانت عند حسن الظنّ، وحقّقت جميع الأهداف المرسومة تجاه تحقيق هذه الحالة الإدارية الفريدة.
هناك عبارة متداولة بين أبناء الوطن، تلخّص الجوهر الأصيل لشخصية صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، وتنعكس على جميع تفاصيل حياته، وهي: «محمد بن راشد: رجلٌ يقولُ ما يفعل، ويفعلُ ما يقول»، وهي الفكرة الّتي عبّر بها صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيّان رئيس الدولة، حفظه الله، في قصيدته الشهيرة، الّتي تحمل عنوان «أخوي محمّد»، حيث أبدع صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان في الحفاوة بأخيه وسميّه وعضيده، صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، وكان من أبدع الأبيات الّتي قالها في حقّ صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، هو قوله:
ذاك أخوي «محمّد» يوم قال
كلمته ما تنثني قول وفعل
طوّع الصعبات لين العود مال
وانطوت في قبضته طيّ السجل
وعلى هَدي هذه الحقيقة في شخصية صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، كانت مسيرته الكبرى في خدمة الوطن وبنائه والارتقاء بإنسانه، فهو الرجل الّذي يجمع بين القول والفعل، وهو القائد الّذي يجعل كلّ الأحلام الصعبة في دائرة التحقّق، ويلاحظ الناظر في مسيرة العمل الحكوميّ الّذي يقوده سموه بكلّ كفاءة وحنكة واقتدار، أنّ هناك إنجازات تراكميّة تسمح بإضافة المزيد للبناء، وهو ما عبّر عنه سموه في الثامن عشر من شهر سبتمبر الماضي، حين أكّد أن الموسم الحالي سيكون أنجح وأفضل موسمٍ حكوميّ في الأداء والإنجاز، وأنّ الحكومة لديها أفضل فريق عملٍ في العالم، وهو، بحسب عبارة سموه، فريقٌ كبيرٌ بقدراته وعزيمته وإخلاصه وتفانيه في خدمة الوطن، فريقٌ لا يعرف المستحيل.
إنّ النتائج المتميّزة الّتي حقّقتها حكومة دولة الإمارات العربية المتحدة، بقيادة صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، هي المعيار الصادق الذي لا يعرف المجاملة، وفي هذا السياق، حقّقت دولة الإمارات نتائج مذهلة، تتجلّى في الحصاد الحضاريّ للعام الماضي 2025، حيث حصدت هذه الدولة الزاهرة النشيطة نتائج متميّزة جدّاً في سباق التنافسيّة العالميّة، من خلال تصدُّرها للعديد من المؤشّرات والتقارير الدوليّة، ما يجسّد فعاليّة السياسة الحكومية الّتي تسير عليها الدولة، وكفاءة الاستراتيجيّات الشاملة الّتي تنتظم العمل الحكوميّ العام، والريادة المستحقّة الّتي دفعت بها إلى هذه الصدارة، حيث حجزت دولة الإمارات موقعها المتميّز ضمن قائمة الخمسة الكبار في التقرير السنويّ للتنافسيّة 2025، الصادر عن مركز التنافسيّة العالميّ، حيث سجّلت (96.9) نقطة من أصل (100) نقطة، متقدّمة بذلك بمقدار مركزين عن العام 2024 م، مع المحافظة على المركز الأوّل على المستوى الإقليمي.
ولا يتّسع المقام لسرد جميع مظاهر التميّز والتفوّق في جميع المؤشّرات، ولكن يمكن الإشارة إلى بعض المؤشّرات كنماذج متفرّدة في النموّ الحضاريّ للدولة، حيث جاءت الإمارات في المرتبة العاشرة عالميّاً في مؤشّر القوّة الناعمة العالميّ لعام 2025، مع ارتفاع قيمة الهويّّة الوطنية للدولة من تريليون دولار، إلى تريليون ومئتين وثلاثة وعشرين مليار دولار لعام 2025.
كما حقّقت دولة الإمارات المرتبة التاسعة عالميّاً في تقرير المواهب العالميّة، الصادر عن المعهد الدولي للتنمية الإداريّة في لوزان لعام 2025، متقدّمة بذلك ثماني مراتب عن موقعها في العام 2024.
واحتلّت دولة الإمارات المرتبة الأولى على المستوى العالميّ في برامج التوعية الصحيّة والمشاركة المجتمعية في السياسات الصحيّة، والارتقاء بجودة الحياة، حسب مؤشّر الشمول الصحّي، وهو واحدٌ من أهمّّ المؤشّرات الّتي تقوم بتقييم أداء أربعين دولة عبر 58 مؤشّراً فرعيّاً في مجالات الثقافة الصحيّة والتوعية والشمول والعدالة.
وبخصوص الثقافة الرقميّة، احتلّت دولة الإمارات مراكز متقدّمة جدّاً في هذا المجال، حيث احتلّت المرتبة الأولى عالميّاً في مؤشّر البنية التحتيّة للاتصالات، والإطار المؤسّسي للحكومة الرقميّة، ومؤشّر المحتوى الرقميّ، ومؤشّر المعرفة الرقميّة الّتي تُصدِرُها منظمة الأمم المتحدة، كما حقّقت الحكومة المركز الأوّل عالميّاً في مؤشّر القدرة الرقميّة للحكومة، كما حلّت في المركز الثالث في مؤشّر الخدمات الحكوميّة، وفي المركز الرابع في مؤشّر نضج التحوّل الرقميّ الحكوميّ الصادر عن البنك الدولي.
من جانب آخر، حقّقت حكومة دولة الإمارات مكانة متقدمة بين الدول ذات الجاذبيّة القادرة على الاستقطاب للراغبين في العيش والعمل في بيئة آمنة ومستقرة، حيث تصدّرت قائمة الدُّول الأكثر أماناً، حين سجّلت درجة أمان بلغت (85.2) من أصل (100) نقطة، من خلال مجموعة من المعايير الصارمة الّتي تتفحّص جودة الأمان ومعدّل الجريمة، مع جودة الخدمات الأمنيّة، فضلاً عن الاستقرار الاجتماعي والاقتصاديّ اللذين يشكّلان عنصر الجذب الأقوى ببن عوامل الجذب والاستقطاب.
في موازاة هذه النتائج العمليّة الباهرة الملموسة على أرض الواقع، يحرص صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم على تنمية الحسّ الأخلاقيّ لدى العاملين في الجهاز الحكومي، فبمقدار ما يحرص سموه على حس الإبداع والابتكار في شخصيّة العاملين في فريقه الحكومي، بمقدار ما يحرص على الكفاءة الأخلاقية، والّتي تتجسّد أوّلاً في عمق الانتماء وصدق الولاء لهذا الوطن، بحيث يصبح العمل في مسيرة تقدّم الوطن جزءاً من الشخصيّة الذاتيّة للعاملين مع سموه، فهو لا يحرص على الموظّفين الّذين يحسبون عملهم بالساعات، بل يحرص على اصطفاء النّماذج الّتي تحقّق ذاتها بالمنجزات، وتمتلك طاقة التحمّل للعمل ضمن رؤية سموه، وتقتحم معه العقبات الصعبة، ولا تلتفت إلى الوراء، بل تندفع بكل طاقتها لتحقيق الهدف، مهما كانت التحديات والتضحيات.
صحيح أنّ عمر حكومة صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، هو عشرون عاماً، لكنّ الحقيقة العميقة، هي أنّ قائد هذه الحكومة، هو الرجل الّذي قدّم ستين عاماً من عمره الميمون في خدمة هذا الوطن، فحين استلم رئاسة الحكومة، كان قد انخرط في العمل العامّ منذ أربعين عاماً، وكانت هذه المدّة كفيلة بصقل خبراته، وتعميق رؤاه، لا سيّما أنّها كانت مرحلة حافلة بالتحدّيات والمنجزات، فجاء سموه إلى هذا الموقع مكتمل الرؤية، مرهف الأداة، يتوهّج بالفكر الذكيّ والعطاء السخيّ، فسعدت به الدولة، وابتهج به الوطن، وقدّم أعمق خبراته، وأصفى نظراته، في سبيل تحقيق الهدف الأسمى له: خدمة المواطن والارتقاء بالوطن، وهو لا يكتفي بالمنجز المادّي المتحقّق على أرض الواقع، بل يمتلك فلسفةً للحكم، يكتبها في كتبه الثمينة، ويبسط فيها التفاصيل، بما يُشكّل مصدر إلهام لجميع الأجيال الّتي تنتظر دورها في خدمة الوطن والإنسان.
سيّدي صاحب السمو: في هذا اليوم الأغرّ من مسيرتكم المظفّرة في بناء الوطن والإنسان، نقول لك بلسان الحبّ والولاء: دُمت تاجاً على هامة هذا الوطن، ونبراساً نسير خلفه، يُضيءُ لنا الطريق، وقائداً مُلهماً نستلهمُ رُؤاه ونستضيءُ بناره المشبوبة، وزعيماً جسوراً، نتعلّمُ منه اقتحام الصعوبات، وضميراً لهذا الوطن، الذي أحبّك وأحببته، وكتبت في محبّته أعذب القصائد وأجمل الألحان.



شريط الأخبار