د. موزة غباش
حين بدأت العشر الأوائل من ذي الحجة، رحت أشعر بأن الذاكرة الإماراتية بدأت بفتح أبوابها القديمة بهدوء.. البيوت يتبدل إيقاعها، والمجالس تمتلئ بخشوع خفيف، والإقبال على فعل الأعمال الصالحة يتحرك بين الناس كأنها تعيد ترتيب الروح من الداخل، بالطبع فإن هذه الأيام قد عاشت طويلاً في وجدان المجتمع الإماراتي منذ التاريخ، وفي كل عام تتجدد في الإمارات، حيث يقترب فيها الإنسان أكثر من نفسه، وأكثر من أهله، وأكثر من المعاني التي قامت عليها الحياة القديمة بكل ما حملته من إيمان وصبر وترابط إنساني عميق.
ومن خلال سنوات طويلة قضيتها في دراسة التراث الثقافي غير المادي، والعمل كرئيسة للجنة الفنية لخبراء التراث غير المادي مع وزارة الثقافة مؤخراً لتوثيق عناصر التراث الإماراتي ضمن السجل الوطني، كنت مشرفة أيضاً على ملف المناسبات والاحتفالات والمواسم الدينية في الإمارات، والتي صنعت إيقاع المجتمع نفسه، وحين تبدأ العشر الأوائل، تستعد الإمارات كلها بروح جماعية، فيعش الناس المناسبة الدينية العظيمة المتسلسلة حتى نهاية العيد، وكأنها جزء من دورة الحياة الكبرى التي تتكرر لتمنح الإنسان الطمأنينة والعطاء والشعور بأن الغفران والقبول، قاب قوسين أو أدنى.
مناسبة الحج واحدة من أكثر الصور حضوراً في الذاكرة الشعبية الإماراتية، وهي صورة راسخة لا تمحى، ولمن لا يعرفها فإن توديع الحجاج هو لوحة تكتب بمداد الحب، فالفريج كله يتحرك مع الحاج، الوجوه تمتلئ بالدعوات، والأمهات يجهزن زوادة الحاج بمحبة شديدة، والناس يتعاملون مع الرحلة وكأن جزءاً من أرواحهم يسافر إلى مكة.
كان الحج يعيش داخل المجتمع بوصفه رحلة إيمانية كبرى، تحمل معها الشوق والخوف والرجاء والانتظار.
في تفاصيل «الزوادة» تكمن حكاية كاملة عن طبيعة الإنسان الإماراتي القديم. التمر، وخبز الرقاق، والقهوة، وما يُحمل للحاج في طريقه إلى البيت العتيق، الحاج يخرج وفي قلبه أصوات الناس ودعواتهم ووصايا الجدات وحنين الأمهات، حتى يبدو وكأن الفريج بأكمله يرافقه خطوة بخطوة نحو الأرض المقدسة.
وخلال هذه الأيام، كانت البيوت الإماراتية تدخل حالة روحانية خاصة.. رائحة البخور، صوت القرآن، الحناء التي تُطحن استعداداً للعيد، المجالس التي يعلو فيها الذكر والدعاء، كلها تصنع مناخاً داخلياً يشعر الإنسان معه بأن الزمن أصبح أكثر صفاءً وهدوءاً.. ويوم عرفة بالتحديد، الذي يصادف غداً الثلاثاء، يحمل هيبة وجدانية عميقة، فالبيوت تمتلئ بالسكون، والناس ينشغلون بالصيام والدعاء، والقلوب تتجه نحو الحجاج الواقفين على جبل عرفة وكأن المسافة بين الإمارات ومكة تختفي تماماً.
ثم يطل العيد العود، وهو عيد الأضحى المبارك، وسيكون الأربعاء بإذن الله، عساكم جميعاً من عواده، حيث يتحول المجتمع كله إلى مساحة فرح واسعة، صوت التكبيرات في الفجر، صلاة وخطبة العيد، ثم يخرج الأطفال بملابسهم الجديدة، وتبدأ حركة الزيارات بين البيوت، والقهوة الإماراتية تدور بلا توقف، وتتصاعد رائحة الهريس، والفوالة الممتدة في المجالس بروح كرم فطرية عاش عليها الإماراتيون عبر أجيال طويلة.
الأضحية تظهر واحدة من أعمق الصور الإنسانية في المجتمع الإماراتي، الأقارب والجيران والمحتاجون يعيشون الخير نفسه في اليوم نفسه، فيشعر الإنسان في الإمارات أن العيد يوزع الرحمة على الجميع بصورة متساوية، وكانت هذه التفاصيل تمنح الناس شعوراً نادراً بالقرب والتكافل، وتجعل الفريج يعيش المناسبة كعائلة واحدة.
أما «الفوالة» الإماراتية، فهي لغة اجتماعية كاملة، طريقة استقبال الضيف، حركة تقديم القهوة، أصوات السلام والتهاني، الأطفال الذين ينتظرون العيدية، النساء اللواتي ينشغلن بإعداد الطعام والبخور، كلها تفاصيل صنعت عبر الزمن ذاكرة جماعية دافئة ما زالت حاضرة داخل المجتمع حتى اليوم.
تأملوا كل هذه التفاصيل، التي سنعيشها غداً وبعد غد، وسيحتفل بها المجتمع الإماراتي الذي حافظ على قوته الإنسانية عبر هذا الترابط العميق بين الناس، فالمناسبات الدينية كانت وما زالت تعيد القلوب إلى بعضها، وتمنح الإنسان شعوراً دائماً بأن هناك مجتمعاً يحمله ويحفظه ويشاركه أفراحه وذكرياته.. ولهذا بقيت هذه المناسبات جزءاً حياً من التوازن النفسي والاجتماعي الذي عاشته الإمارات عبر أجيال طويلة.
تحرص الإمارات اليوم بكل هذا الوعي، وحسب توجيهات قيادتها الحكيمة الرشيدة، على حماية هذا الإرث وتسجيله وتوثيقه وتعليمه للأجيال الجديدة، فرؤية القيادة هي التركيز على حفظ الذاكرة الإنسانية للمجتمع الإماراتي وتحصينها وحمايتها، وترسيخ ذلك الإحساس العميق الذي يجعل الإنسان أكثر قرباً من أهله، وأكثر اتصالاً بجذوره، وأكثر قدرة على العبور نحو المستقبل بثقة وطمأنينة.
كل عام والإمارات وقيادتها وشعبها والقاطنين على أرضها بألف ألف خير، وتراثنا المعطاء الجميل بألف ألف خير.
الرجاء الانتظار ...