منى خليفة الحمودي
في جوهر القوة الاجتماعية، تكمن السمعة كأصل استراتيجي غير ملموس، لكنه أشد تأثيراً من أي سلطة مادية، فهي العملة التي نكتسب بها الثقة، ونبني بها العلاقات، ونفرض بها حضورنا في العالم. والسمعة هي خلاصة تصورات الآخرين عنا، وهي رأسمال رمزي، يُبنى بصعوبة على مدى سنوات، ولكن يمكن أن يُهدم في لحظات.وفي العصر الرقمي، تحوّلت هذه العملة إلى سلاح فتاك، وأصبحت ساحات التواصل الاجتماعي مسرحاً لعمليات اغتيال معنوي ممنهجة، تستهدف الشخصيات العامة، بهدف تصفيتها من المشهد، ليس بإزهاق الروح، بل بتدمير المصداقية التي هي جوهر وجودها العام.
واغتيال الشخصية هو فن التدمير البارد، فهو ليس هجوماً عشوائياً، بل حملة مدروسة، تُبنى على استراتيجية دقيقة، من خلال نشر معلومات مضللة، وتضخيم الأخطاء الصغيرة، وعزلها عن سياقها الزمني والأخلاقي، ثم إطلاقها في الفضاء الرقمي، لتتكفل الخوارزميات وعقلية القطيع بنشرها كانتشار النار في الهشيم، والهدف هنا ليس النقد أو الإصلاح، بل الإقصاء الكامل للخصم، عبر تجريده من أهم أسلحته، وهي «سمعته»، وهو شكل من أشكال العنف النفسي، الذي يترك الضحية في حالة من العزلة والتشكيك بالذات، حتى لو كانت الاتهامات باطلة.
ولفهم هذه الظاهرة، لا بدّ من النظر في نفسية المهاجم، فغالباً ما يكون الهجوم على سمعة الآخرين انعكاساً لأزمة داخلية، كشعور بالنقص، أو حسد تجاه نجاح الآخر، أو رغبة في فرض السيطرة عبر التقليل من شأن المنافسين، فبدلاً من الارتقاء لمستوى الخصم، يختار المهاجم أن يهوي به إلى مستوى أدنى. إنه انتصار سهل ووهمي، لكنه يحقق إشباعاً نفسياً مؤقتاً لمن يفتقر إلى الثقة في قدراته الذاتية.
وهنا يأتي دور التكنولوجيا لتضخيم هذه الدوافع البشرية البدائية، فوسائل التواصل الاجتماعي، بطبيعتها، تكافئ المحتوى الصادم والمثير للجدل، ما يجعل الشائعة أكثر جاذبية وانتشاراً من الحقيقة الرصينة، كما تعمل الحسابات الوهمية والجيوش الإلكترونية كأدوات لتصنيع رأي عام زائف، وخلق انطباع بأن هناك إجماعاً على إدانة الضحية، ما يشجع المزيد من الناس على الانضمام إلى الهجوم من دون تفكير.
وعندما تُوجَّه هذه الحملات نحو شخصية عامة، سواء كانت مسؤولاً سياسياً، أو مفكراً، أو مبدعاً، فإن الهدف يتجاوز الفرد، ليطال النسيج المجتمعي بكامله. إنها محاولة لتقويض الثقة في المسؤولين والمؤسسات، وزرع الشك والريبة في قلب المجتمع، ما يسهل فرض أجندات خارجية أو داخلية، تسعى إلى إضعاف بنية الدول، وتفكيك وحدتها، إنها حرب ناعمة، تُشن على وعي الأمة، وتستخدم الأفراد كجنود عن غير قصد، في معركة لا يدركون أبعادها الحقيقية.
وبذلك يتطلب الدفاع عن السمعة في العصر الرقمي حكمة استراتيجية، حيث إن ترك الساحة خالية للمهاجمين، قد يسمح لروايتهم بالانتشار، بينما قد يؤدي الرد المتسرع إلى تغذية نيران الهجوم، والمثال الأبرز على هذه الحكمة، يتجلى في النهج الذي اتبعته دولة الإمارات على مدى سنوات، حيث بَنت «رصيداً من الثقة» عالمياً، من خلال العمل الجاد والإنجازات الملموسة، ما شكّل درعاً واقية أمام الهجمات الرقمية المتكررة، فبدلاً من الانجرار إلى معارك كلامية، كان الرد دبلوماسياً وعملياً، يركز على تفكيك الروايات الكاذبة بالحقائق على الأرض، والتواصل المباشر مع الشركاء الدوليين، ما يكشف الأهداف الخفية وراء تلك الحملات، ويحافظ على قوة السمعة الوطنية.
ولتكتمل هذه الجهود الدبلوماسية، يأتي الحل الجذري، عبر بناء حصانة مجتمعية داخلية، من خلال تعزيز «التربية الإعلامية الرقمية»، كضرورة وطنية، لا سيما في المناهج المدرسية، لتسليح جيل نشأ في قلب العاصفة الرقمية، بأدوات التفكير النقدي، والقدرة على التحقق من المعلومات قبل مشاركتها، فالمعركة ضد الاغتيال المعنوي، هي في جوهرها معركة على مستقبل الحقيقة نفسها، فإذا استسلمنا لواقع تُصنع فيه الحقائق حسب الطلب، وتُدمر فيه السمعة بضغطة زر، فإننا نخاطر بالدخول في عصر «ما بعد الحقيقة»، حيث تصبح المشاعر والانطباعات الشخصية أكثر أهمية من الحقائق الموضوعية، فحماية سمعة رموزنا، هي دفاع عن ذاكرتنا الجماعية، وعن قدرتنا على بناء مستقبل مشترك، قائم على الثقة والاحترام، والأهم من ذلك كله.. الحقيقة.