الولايات المتحدة بين تصدع الداخل وشراسة الخارج

د.البدر الشاطري

تواجه الولايات المتحدة تحديات كبيرة وتهديدات أنطولوجية. الخطر الوجودي مستبعد لأسباب جيوسياسية جلية، لا تحتاج إلى شرح مطول.
كفى أن نقول كما قال أحدهم من قبل، إن الولايات المتحدة محظوظة لأنها محاطة بكندا، والتي لا تستطيع تهديدها، ومن الجنوب مكسيكو، والتي أقل منها قوة، ومن الشرق أسماك ومن الغرب أسماك أكثر.

القول منسوب للزعيم الألماني أوتو فون بسمارك. وبغض النظر أهو القائل أو أنه منتحل، فالمقولة صحيحة من حيث فحواها. الولايات المتحدة من دون معظم الدول محمية بجغرافيتها، ناهيك عن قوتها العسكرية العظمى، التي لا يضاهيها أية قوة على وجه البسيطة.
ولكن الولايات المتحدة تتعرض لتهديد من نوع آخر. هذا التهديد الأنطولوجي يمس وجدان ويمس معنى ما هي الولايات المتحدة. رؤيتها لذاتها مهم بأهمية سلامة أراضيها ومياهها. التهديد الأنطولوجي يقوض كينونة الأفراد والمجتمع.
وكما يقول أنثوني جيدنز، عالم الاجتماع البريطاني الكبير، إن الأمن الأنطولوجي يتعلق بالاستمرارية والثبات في الأشياء، وعدم مواجهة عوامل تهدد هذا الوجدان، والتي تسببت فيها الحداثة المتقدمة من اضطراب وتفكك اجتماعي.
في الأسابيع الماضية، تحدث كاتبان عن إشكالية في المجتمع الأمريكي من زاويتين مختلفتين. يقول الكاتب أدم شاتز، في مقالة مطولة موسومة بعنوان مستفز «وطن آخر»، إن أمريكا صعبة التعريف، كما ذكر بعض الأدباء والكتاب السابقين، والذي استعصى عليهم تحديد ماهية أمريكا.
شاتز يذكر أن داعية الحقوق المدنية الأشهر، القس مارتن لوثر كينغ، استخلص أن أمريكا هي متعددة الجنسيات، ولا يمكن فرض نمط أو عرق واحد على الجميع. الكاتب الأمريكي راندولف بورن يصف أمريكا بشكل بليغ، بأنها متعددة الجنسيات، وأنها حياكة مستمرة بسموط مختلفة ألوانها، وأن أية محاولة لإيقاف هذا الغزل مصيره الفشل. وأن أمريكا هي فيدرالية من ثقافات يجعلها متمردة على تفوق العرق الأبيض.
من وجهة نظر محافظة، يكتب ديفيد بروكس كاتب عمود في صحيفة نيويورك تايمز، الأكثر انتشاراً في الولايات المتحدة، عموده الوداعي بعنوان «آن الأوان للوداع» بعد اثنين وعشرين عاماً مع الصحيفة، والتي تركها وهو محبط من واقع الولايات المتحدة.
يرى الصحافي بروكس أن هناك انحداراً في الإيمان بأمريكا. كما يرى هذا الهبوط في الإيمان بالقيم الديمقراطية والثقة الاجتماعية في العقدين الماضين. وينتقد بشدة صعود النزعة الفردانية المتطرفة، والعدمية التي أدت إلى الأنانية والتشاؤم. كما ينعى الكاتب ضعف القيم الإنسانية والقيم الأخلاقية المشتركة، والمنظومة الأخلاقية، والتي كانت أساس الثقافة الأمريكية. هذه المشتركات هي جوهر تماسك وغاية المجتمع برمته.
كان القس مارتن لوثر كينغ -والذي عارض حرب فيتنام- يربط بين العنصرية داخل الولايات المتحدة والتوحش في الخارج. لأن الأخير نابع من عدم تقدير لحياة البشر.
لا شك أن الولايات المتحدة هذه الأيام قد توحشت في سلوكها الخارجي. وقد كتب المنظّر في العلاقات الدولية، ستيف والت، مقالاً في أهم مجلة لمؤسسة السياسة الخارجية «فورن أفيرز»، عنونه بـ «الدولة المفترسة».
ويعرف والت الدولة المفترسة، بالتي تسعى إلى استحواذ أكبر قدر من المنافع من الأصدقاء والأعداء، لا تلوي على معاهدات أو أعراف دولية. ويقول والت إن الولايات المتحدة تحت إدارة ترامب، تتبع قاعدة ما هو حقي لي، وما هو حقك نتفاوض عليه.
ورغم أن ترامب يروج لنفسه كصانع سلام يستحق جائزة نوبل، إلا أنه في فترة حكمه في السنة الأولى، هاجمت الولايات المتحدة سبع دول: فنزويلا، نيجيريا، اليمن، سوريا، العراق، إيران، والصومال.
كما هددت بعض الدول، مثل الاستيلاء على قناة بنما، غرينلاند، كندا، وما زالت أساطيلها تجوب المنطقة، لتهدد إيران بضربة أخرى إذا لم تنصع إلى أوامرها. لكن كما قال الشاعر الحكيم زهير بن أبي سُلمى

وَمَا الحَـرْبُ إِلاَّ مَا عَلِمْتُمْ وَذُقْتُـمُ
وَمَا هُـوَ عَنْهَا بِالحَـدِيثِ المُرَجَّـمِ



شريط الأخبار