هندسة الأخطار

جمال الكشكي

نستطيع القول إن المسافات تباعدت بين الغرب بشقيه الأمريكي والأوروبي، وافترقت بينهما السبل.
مؤتمر ميونخ للأمن - الذي عقد في مقاطعة بافاريا بألمانيا الأسبوع الماضي - جاء كاشفاً لما وصلت إليه الأوضاع، خرائط العالم تبحث عن حالة يقظة استراتيجية، والاعتماد على الذات لم يعد اختيارياً.
خرج الجميع بيقين تام بأن هناك نهاية وقعت بالفعل لنظام القواعد والقوانين الدولية، حتى التحالفات الاستراتيجية التي دامت ثمانين عاماً بين ضفتي الأطلسي.
فقد قال ماركو روبيو، وزير الخارجية الأمريكي، إن سياسة واشنطن ستقوم على المصالح الوطنية أولاً، وعلى أوروبا أن تفعل ذلك.
تبدو الصورة في حالة غياب لصورة قديمة سادت طويلاً بين الحليفين، لكن من وجهة نظري فإن المسألة أعمق من الانقسام، بمعنى أن الغرب صار ضد الغرب في معالجة الأوضاع العالمية، وأستطيع القول إن النظام الدولي الجديد في حالة إعادة تشغيل على أسس مختلفة.
تعالوا نقترب من الصورة الكلية لعالم اليوم، فهناك مفاوضات جارية بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران تدور على إيقاع فلسفة سلام القوة حول الملف النووي الإيراني، وهو الملف الدولي الذي شاركت فيه الدول الخمس دائمة العضوية في مجلس الأمن: أمريكا، المملكة المتحدة، روسيا، فرنسا، والصين، إضافة إلى ألمانيا، وتم توقيع الاتفاق فيه إبان فترة حكم الرئيس الأمريكي الديمقراطي باراك أوباما، عام 2015، لكن جاء الرئيس ترامب لينسحب منه، ويبدأ المشهد من نقطة الصفر.
الآن تدور مفاوضات حول الملف نفسه بين واشنطن وطهران في جنيف في جولة ثانية، بعد الجولة التي أجريت بالعاصمة العمانية مسقط، وتشير الأنباء إلى أنه يمكن أن يحدث اتفاق كاحتمال وارد مع وجود أخطار الحرب بالدرجة نفسها.
لكن ما يعنيني هنا أنه كان هناك اتفاق سابق يحظى بغطاء دولي بمشاركة الأمم المتحدة كونها منظمة دولية معبرة عن المجتمع الدولي، لكن المفاوضات في هذه المرة تدور بين قوتين: قوة عظمى هي أمريكا، وقوة إقليمية هي إيران، وقد تتوصلان إلى حل وسط، والمعنى الكبير هنا هو أن النظام الدولي الذي يعاد تشغيله هو المفاوضات الثنائية وليست الجماعية أو المفاوضات تحت رعاية المنظمات الدولية، وسيصبح هذا الاتفاق في حالة التوصل إليه دولياً ومعترفاً به.
في التوقيت نفسه تدور مفاوضات في مدينة جنيف السويسرية بين أوكرانيا وروسيا برعاية أوروبية وأمريكية، وهي مفاوضات مزمنة قد تفضي إلى وقف الحرب، وفي كل الأحوال نلاحظ الغياب التام لغطاء الأمم المتحدة، أو المنظمات الدولية، وكأن النظام الجديد الذي يعاد تشغيله يقوم على مفاوضات قوى كبرى أو صغرى قد تتصادم.
ففي إيران يرى الإقليم العربي، ومنطقة الشرق الأوسط الواسعة، أن الحرب ليست في صالح أحد، واليمين الإسرائيلي المتطرف بقيادة بنيامين نتانياهو، هو من يريد أن تتسع، ولا يزال يتشكك في المفاوضات الأمريكية - الإيرانية، ويضع العصا في الدولاب أمام السياسة الأمريكية، فقد قال نتانياهو إنه لا بد أن تشمل المفاوضات الأسلحة الإيرانية الأخرى، إضافة إلى الملف النووي.
وهو بذلك يضع السياسة الأمريكية الراغبة في توقيع اتفاق، حسب الرئيس ترامب، في مسألة صعبة، ويتمنى نتانياهو أن تفشل هذه المفاوضات، والحقيقة أنه من الذكاء أن تنجح هذه المفاوضات بتنازلات من جميع الأطراف.

إزاء هذه الصورة العالمية، فإننا نرى أن النظام القديم انتهى كما قال المستشار الألماني فريدرش ميرتس، الذي أكد أن التنافس العالمي الحالي يقوم بين صدام القوى، وأن القوة وحدها هي من تفرض رؤيتها، لذلك طرح أن تكون أوروبا معتمدة على ذاتها، بحثاً عن مصالحها، ولا تنظر إلى الحماية من خارجها.
تقريباً ردد كير ستارمر، رئيس وزراء بريطانيا المعنى نفسه، حين قال إن أوروبا عملاق اقتصادي، وقزم أمني. وعلى المنوال نفسه قال الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، إن أوروبا تحتاج إلى قوة ذاتية تدافع عنها.

الصورة واضحة، والطريق إلى العالم الجديد مليء بالمطبات التي يحتاج عبورها إلى حكمة عميقة، وتقديرات مدروسة، وهندسة دقيقة للأخطار، حتى لا تظل الخرائط على الحافة.



شريط الأخبار