رمضان والتراث الإماراتي عبر الأجيال

د. موزة غباش

ظهر أخيراً هلال رمضان في سماء الإمارات، وشعرت أن الزمن يتهادى بخطى هادئة رصينة نحو بيوت الطين وسكيك الفرجان، ونحو المساجد والمآذن، وأن الضوء الفضي الذي يعلو الأفق يحمل معه أصواتاً ووجوهاً وملامح عشناها في طفولتنا الأولى، ويدخل الشهر المبارك فتتبدل إيقاعات الحياة، وتنتظم الأيام على نسق روحي خاص، حيث تتعانق العبادة مع العادات والتقاليد العريقة، وتلتقي السكينة مع الحركة، ويصبح البيت الإماراتي فضاء تتكثف فيه القيم كما تتكثف فيه الروائح الزكية المنبعثة من مطابخ الأمهات قبيل الأذان.
كان رمضان في الذاكرة الشعبية موسماً للتعلم والتهذيب، وميداناً لتشكيل الشخصية. وكان الأطفال في الكتاتيب يجلسون في حلقات متقابلة أمام المطوع أو المطوعة، يرددون آيات القرآن بصوت واحد ينساب في فضاء الفريج كنسيم عليل، وكان ختم القرآن حدثاً يحتفى به في «التحميدة»، حيث تتعالى الأدعية وتوزع الحلوى، ويشعر الطفل أن جهده صار جزءاً من ذاكرة الجماعة، وللعلم فقط فإنه وبهذه الطقوس قد تشكل الوعي الأول، وتكرس ارتباط اللغة العربية بالوجدان، وارتبط الدين بسلوك يومي يفيض أدباً واحتراماً، وفي تلك الأجواء نما جيل إماراتي يحمل القرآن في صدره، ويستمد من رمضان قوة داخلية تنعكس في تصرفاته ومواقفه.
في المساء بعد صلاة التراويح كانت وما زالت - والحمد لله - المجالس تتلألأ بالأنوار الخافتة، وتفوح منها رائحة القهوة العربية والتمر، فالمجلس الرمضاني مدرسة قائمة بذاتها؛ يجلس الكبار في صدر المكان، ويصغي الصغار في أدب، وتدور الأحاديث حول شؤون الناس وأخبار البحر والصحراء، وحب الوطن والقيادة الحكيمة، فتنتقل الخبرة عبر الكلمة، وينتقل «السنع» عبر الممارسة، ففي المجلس الإماراتي يتعلم الفتى كيف يصافح، وكيف يقدم الفنجان، وكيف يزن عبارته قبل أن ينطق بها. المجالس الإماراتية في رمضان تضبط إيقاع المجتمع، وتؤكد أن المعرفة الاجتماعية قيمة عليا، وأن الاحترام أساس العلاقة بين الأجيال.
يحمل الفريج في رمضان صورة متكاملة للتكافل. مع اقتراب موعد الإفطار تنطلق أطباق «النقصة» بين البيوت، يحملها الأطفال بفرح، فتدخل طبقاً من الهريس إلى بيت، ويخرج منه طبق من الثريد أو البلاليط إلى بيت آخر. وتتكون بذلك شبكة من المحبة، ويشعر الجميع بأن السفرة واحدة وإن تعددت البيوت.
من تراثنا الأصيل، تعلمنا في رواق عوشة بنت حسين، وفي معظم مؤسساتنا الخيرية، أن «المير الرمضاني» يجب أن يعد بعناية، وأن يوزع المؤن بروح أخوية، فيسود الاطمئنان، ويترسخ الإحساس بالأمان الاجتماعي، وهذه الروح الممتدة من الماضي إلى الحاضر، وستبقى في المستقبل نراها بدعم منقطع النظير من قيادة الإمارات الرشيدة، تمتد من المؤسسات العامة والخاصة ومؤسسات النفع العام والأفراد، لأن جذورها ضاربة في أعماقنا تعلمنا معاني الدين الحنيف والمشاركة والمسؤولية الاجتماعية.
في رمضان تتقدم المائدة الإماراتية كونها مساحة ثقافية، فالهريس يطهى على مهل، واللقيمات برائحة الهيل والزعفران تزين لحظة الفرح بعد الإفطار، ولا شك في أن التمر يسبق كل شيء كتحية للبركة، فتدور الدلة بين الأيادي، وتعلو عبارات الترحيب، ونلاحظ أن كل طبق يحمل قصة بيت، وكل رائحة تعيد مشهداً من الطفولة، فتتشكل علاقة وجدانية عميقة بين الإنسان وطعامه، وبين العبادة ونمط العيش.
لن أنسى «المسحّر»، أو «أبو طبيلة»، الذي بدأ يتلاشى تدريجياً كونه علامة دينية تراثية مع زخم الحياة والتطور، لكنه ما زال يجوب السكيك بصوته الواضح وإيقاع طبلته، فيوقظ البيوت بنداء يحمل حميمية العلاقة بين الناس، يعرف أسماء أهل الفريج، ويتوقف عند كل باب بعبارة مألوفة تزرع الابتسامة في الوجوه.
يمتد أثر رمضان إلى صلة الأرحام، حيث تحيا «الزوارة» وتتجدد اللقاءات في بيت العود، وتذكر أسماء الراحلين بالدعاء والصدقات، وتتقاطع الأجيال في مساحة واحدة، ويتبادل الجميع الأحاديث والذكريات، فيترسخ الوعي بأن التراث يعيش في تفاصيل العلاقة اليومية، وبهذه الروح يبدو الحاضر متوهجاً بعبق الماضي، ويعيد رمضان ترتيب الأولويات ويغذي الانتماء.
رمضان في الإمارات تجربة حضارية متكاملة، تتلاقى فيها القيم الدينية والعادات الاجتماعية، وتتكامل فيها العبادة مع السلوك اليومي، إنه الوقت الجميل الذي تستعاد فيه الصور الأولى التي صنعت الشخصية الإماراتية، وفي ظلال الصيام ينهض التراث حياً في البيت والمجلس والمسجد. ويبقى رمضان مساحة إشعاع ثقافي وروحي، يفتح أبوابه كل عام ليجمع الأجيال حول معنى واحد: أن الجذور العميقة تمنح المستقبل ثقة واتساعاً.



شريط الأخبار