ملل باهظ الثمن

د. عبدالله الخياط
عندما كانت الحاجة أمّ الاختراع كان الملل مشكلة تبحث عن حل

تكرر كثيراً بين الأطفال ذلك السلوك، حتى أصبح بصمة ثابتة في معظم بيوت مجتمعاتنا المرفهة: طفل لم يتجاوز السادسة من عمره، يحيط به زَخَمٌ من الألعاب ووسائل الترفيه، لكنه لا يشعر بأنها تملأ المكان، أو بالأحرى لا تملأ عينه، لدرجة أنه يشعر بالملل بين فقرات الترفيه التي لا تكاد الدقائق تفصل بينها، يقول لوالده بمجرد الخروج من مدينة الألعاب أو صالة السينما: «ماذا سنفعل الآن؟»، يجلس في السيارة بعد انتهاء يوم حافل بالتسلية والمغامرات، متأففاً ويردد بضيق: «أنا ملّان».
قد تكون هذه الظاهرة أقل حضوراً في كثير من البيئات الأقل حظاً، حيث يضطر الطفل إلى ابتكار وسائل التسلية والمتعة من أبسط الموارد المتوفرة في تلك البيئة، ليصبح الفراغ مساحة للتجربة والاكتشاف، وتتحول الأدوات البسيطة إلى ألعاب.

هذه المفارقة العجيبة لا يمكن اختزالها في دلع أطفال أو غياب التقدير للنعمة، بل قد تكون أحد الأعراض المرضية الناتجة عن تغيرات عميقة أصابت التركيبة النفسية والعصبية لجيل اليوم، وتعطينا مؤشراً دقيقاً لأزمة يعيشها الإنسان المعاصر.
إن ما يمر به طفل المجتمعات المرفهة هو حالة من ازدحام المثيرات التي تحاصره من كل جانب، إنه يعيش في بيئة الإشباع الفوري، حيث الشاشات الذكية، ومقاطع الفيديو القصيرة، والألعاب الإلكترونية تغزو دماغه بسلسلة متواصلة من المثيرات السريعة التي تنشط منظومة المكافأة والتحفيز، وتجعل التوقع الدائم للمثير التالي جزءاً من نمط عمله اليومي، بجهد صِفري، أي دون بذل أي جهد بدني أو ذهني معتبر، وعندما يواجه هذا الطفل واقعاً طبيعياً هادئاً، ينخفض مستوى التحفيز فجأة، فيترجم الدماغ هذا الانخفاض على أنه ملل شديد.
عندما كانت الحاجة أمّ الاختراع، كان الملل مشكلة تبحث عن حل، وفي مثل تلك اللحظات ولدت كثير من الأفكار والمهارات.
عبر التاريخ تعلم الإنسان أن يملأ فراغه بالابتكار، وأن يحول سكونه الممل إلى حركة وتجربة واكتشاف.

أما اليوم، فقد أصبح الحل في متناول اليد قبل أن تتاح للطفل فرصة البحث عنه، فقد سُلب الأطفال المرونة في مواجهة تحديات الحياة، مثل إيجاد بديل لشغل وقته، لأن هناك دائماً من يهرع لإنقاذه بجهاز ذكي ليجنبه العناء، وتطورت العملية ليصبح الارتباط الشرطي حاضراً في كثير من المواقف: يبكي الطفل أثناء التسوق فنعطيه هواتفنا الذكية، يجوع فلا يأكل إلا بحضور جهازه يشغله، يذهب لطبيب الأسنان فلا يستقر في مكانه حتى يُعرض له ما يحب على الشاشة المخصصة لهذا الغرض في كثير من العيادات الحديثة، نأخذه لصالون الحلاقة ويتكرر المشهد ذاته.

يذكرني ذلك بواحدة من أشهر تجارب علم النفس، تجربة الارتباط الشرطي للعالم إيفان بافلوف، حين ربط تقديم الطعام للكلب برنين جرس، ومع التكرار، أصبح لعاب الكلب يسيل لمجرد سماع الجرس دون وجود طعام.

ومع تكرار اقتران الراحة والمتعة بالشاشة، تتحول الشاشات من وسيلة ترفيه إلى شرط يتحكم في الإحساس بالهدوء أو الاستقرار.

تأمل سلوك الطفل المعاصر عند الأكل، لقد ارتبط تناول الطعام بوجود الجهاز اللوحي أو شاشة التلفزيون، تكررت العملية حتى استجاب الدماغ تماماً، لا متعة في طعام، ولا هدوء في جلسة، ولا قدرة على البقاء دون هذا المثير الرقمي، لقد برمجنا عقولهم على ألا تعمل وظائفهم الحيوية أو النفسية إلا بوجود مُسكّن تكنولوجي، فصار غيابه الفجائي كابوساً يترجمونه بالصراخ والتأفف.
هذا التلقين غير المباشر لا يحدث من فراغ، بل هو نتيجة حتمية للمقايضة العاطفية التي يمارسها الأهل رغماً عنهم، فعندما تنتهي ساعات العمل الطويلة، ويلتقي الآباء بأبنائهم، يواجهون الحقيقة المرة لغياب الحضور الإنساني الفعال، وهنا يبرز المأزق النفسي الأكبر، حيث تأتي كلمة الطفل «أنا ملّان» بمثابة الملح الذي يُرش على جرح الشعور بالذنب والتقصير لدى الوالد الكادح، هذه الكلمة تترجم في وعيه الباطن كإدانة صامتة تقول: «أنت غير موجود»، وللتخلص من ألم هذا الشعور، يهرب الوالدان إلى التعويض المفرط دون إدراك.

لقد تخلى بعضنا عن دوره الحقيقي في تجهيز الأبناء لمواجهة المستقبل المتغير بالاعتماد على مهاراتهم وعلمهم وتجاربهم الشخصية، واكتفى، دون أن يشعر، بتوريثهم اعتماداً متزايداً على ما يقدمه الآخرون، وبينما نظن أننا نمنح أبناءنا كل شيء، قد نكون في الحقيقة نحرمهم من القدرة على مواجهة الفراغ، واحتمال الملل، واكتشاف ذواتهم من خلال التجربة والمحاولة.
الملل ليس عدواً، لكننا اخترنا أن نشتري راحة أبنائنا بثمنٍ باهظ.



شريط الأخبار