37 اتفاقية في عالم يغلق أبوابه

نوفر رمول
موانئ دبي العالمية وحدها تدير نحو 10 % من حركة الحاويات في العالم

في عام 2025 دخل العالم واحدة من أوسع موجات الحمائية منذ عقود، بعدما أطلقت الولايات المتحدة حزمة واسعة من الرسوم الجمركية شملت عشرات الاقتصادات وقطاعات استراتيجية، ثم اتسعت الإجراءات الحمائية في أوروبا والصين ودول أخرى، فيما حذرت منظمة التجارة العالمية من تجزئة تهدد مكاسب ثمانية عقود من التبادل الحر، وبينما يرفع العالم جدران التعريفات، أعلنت الإمارات تسجيل 1.93 تريليون درهم من التجارة غير النفطية في النصف الأول من 2026، بنمو بلغ 13.1 بالمئة، وهو رقم يحمل أطروحة اقتصادية مغايرة: حين ينغلق الآخرون، تواصل الإمارات فتح ممرات الشراكة وتوسيع شبكتها التجارية عبر القارات.
ما يقف خلف هذا الرقم يتجاوز الأداء التجاري إلى هندسة اقتصادية بنيت برؤية على مدى سنوات، سبع وثلاثون اتفاقية شراكة اقتصادية شاملة جرى توقيعها، دخلت ثماني عشرة منها حيز التنفيذ، تربط الإمارات بأسواق واسعة تمتد عبر قارات العالم، من كوريا الجنوبية والهند وإندونيسيا وتركيا، إلى أوكرانيا وكولومبيا وكوستاريكا، مع مفاوضات متقدمة مع الاتحاد الأوروبي ودول في أمريكا اللاتينية وأفريقيا وآسيا الوسطى، وبلغت التجارة مع الشركاء 304 مليارات درهم، وهذه الاتفاقيات تتجاوز خفض الرسوم التقليدي إلى تكامل سلاسل الإمداد، وتبادل الخبرات التقنية، وتسهيل حركة رؤوس الأموال والكفاءات، كما تلغي أو تخفض الرسوم الجمركية على أكثر من تسعين بالمئة من السلع المتبادلة في معظم الحالات، وقد صممت بمنطق التنويع الجغرافي ذاته الذي حكم التنويع الاقتصادي الداخلي، عبر توزيع المخاطر بين القارات، بحيث تعجز أي صدمة في ممر واحد أو سوق واحدة عن خنق الاقتصاد بأسره، ويصبح للاقتصاد الوطني عشرات الروافد التي تغذيه من اتجاهات مختلفة في الوقت ذاته، فإن أغلق ممر بحري نشطت مسارات برية وجوية، وإن تراجعت سوق آسيوية عوضتها أسواق في أمريكا اللاتينية أو أفريقيا.
الاقتصاد السياسي التقليدي يفترض أن الدول تنغلق في الأزمات حماية لمواردها، وأن الانكشاف على الخارج يتحول في لحظات التوتر إلى مصدر هشاشة، وقد قلبت التجربة الإماراتية هذا الافتراض، فتحول الانفتاح ذاته إلى بنية دفاعية، فموانئ دبي العالمية وحدها تدير نحو عشرة بالمئة من حركة الحاويات في العالم عبر أكثر من ستين ميناءً ومحطة، والاتفاقيات الملزمة مع عشرات الاقتصادات تجعل الإمارات جزءاً عضوياً من النسيج التجاري الدولي، يصعب اقتطاعه من دون كلفة على المنظومة بأسرها، وكل شراكة جديدة توسع دائرة الاقتصادات والشركات التي ترتبط مصالحها باستمرارية التدفقات واستقرار الممرات المفتوحة، وهذا ما يمكن تسميته «سيادة الترابط»، أي تأمين جيوسياسي بأدوات اقتصادية، يعمل بصمت وبفعالية أكبر من كثير من أدوات الردع والحماية التقليدية.
ما يجعل هذا النموذج جديراً بالدراسة أنه يحول الإمارات من مشاركة في حركة التجارة العالمية إلى مهندسة ممرات تربط القارات ببعضها، فالشراكة مع الإمارات أصبحت تعني الوصول إلى مركز لوجيستي محوري يربط آسيا بأفريقيا وأوروبا، وإلى منظومة دبي المالية التي تحتل المرتبة السابعة عالمياً، وإلى بيئة استثمارية إماراتية تجاوز رصيد الاستثمار الأجنبي المباشر فيها 1.17 تريليون درهم، وإلى مناطق حرة، ومراكز تحكيم، ومنظومة تشريعية صممت لتسهيل حركة رأس المال عبر الحدود، وكل اتفاقية جديدة توسع هذه الشبكة المتنامية، وتزيد قيمتها لجميع المرتبطين بها.
هذا التموضع حول الإمارات من دولة تعتمد على الشركاء إلى دولة يعتمد عليها الشركاء، وفي عالم يتجه نحو التكتلات، تصبح هذه الميزة أداة حماية بقدر ما هي أداة نمو.

بعد الحرب العالمية الثانية أدرك العالم أن الدول المتشابكة تجارياً تتقاتل أقل، فأسس في بريتون وودز عام 1944 النظام المالي الدولي، ثم أنشأ الاتفاقية العامة للتعريفات والتجارة «الغات»، التي أصبحت لاحقاً منظمة التجارة العالمية، وعلى مدى ثمانية عقود ارتبط الازدهار بحرية التبادل، اليوم، فيما تتراجع اقتصادات كبرى عن تلك الفلسفة، وتعود إلى منطق الحواجز والتكتلات المغلقة، تعيد الإمارات، التي يتجاوز عمرها بقليل نصف قرن، إنتاجها بأدواتها وجغرافيتها الخاصة، وتثبت أن الانفتاح في عصر الانغلاق يصنع حصانة اقتصادية عميقة، وأن من يبني سبعة وثلاثين باباً نحو العالم يحتفظ دائماً بمساحة للحركة حين تضيق الطرق.



شريط الأخبار