الرسوم الجمركية ترتد على ترامب

عماد الدين حسين

كيف يمكن فهم الصدام الحالي بين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب والمحكمة العليا بعد قرارها الخطير بإبطال قرار الرئيس بفرض الرسوم الجمركية على غالبية دول العالم؟ وما هو تأثير ذلك على مجمل سياسات ترامب، خصوصاً أن الرسوم الجمركية هي واحدة من أهم أسلحته لتحقيق شعاراته ووعوده الانتخابية، وأهمها: «أمريكا أولاً» أو «لنجعل أمريكا عظيمة مرة أخرى»؟.
في يوم الجمعة قبل الماضي ٢٠ فبراير أصدرت المحكمة الأمريكية العليا قراراً يمكن وصفه بالتاريخي بإلغاء الرسوم الجمركية الشاملة التي فرضها ترامب، وهو ما يعني ضربة موجعة لمجمل أجندته الاقتصادية.
القرار صدر بأغلبية ٦ أعضاء مقابل اعتراض ثلاثة آخرين. رئيس المحكمة جون روبرتس قال في تفسير الحكم إن الدستور الأمريكي لم يمنح أي جزء من سلطات فرض الضرائب والرسوم للسلطة التنفيذية، بل هي من اختصاص الكونغرس فقط. القصة لم تنته عند هذا الحد فبعد ساعات انتقد ترامب الحكم ووصفه بالسخيف والمخيب للآمال، ثم تحدى المحكمة، وأعلن أنه سيفرض رسوماً جمركية جديدة وشاملة بنسبة ١٠% على شركاء أمريكا التجاريين.
يومها أيضاً قال: كيف يمكنني أن أدمر أي دولة أو اقتصاد، ولا يمكنني أن أفرض أي تعريفة جمركية على بلد آخر؟!
ما سبق هو الجانب الإخباري في القضية، والآن نسأل ما هو تأثير هذه المعركة بين الرئيس والمحكمة العليا على الاقتصاد الأمريكي والأهم على الاقتصاد والتجارة العالمية؟ قولاً واحداً إن قرارات ترامب الاقتصادية، وخصوصاً رسومه الجمركية على غالبية دول العالم قد تسببت في مشكلات كثيرة عانى منها الجميع بصورة أو بأخرى.
منظمة التجارة العالمية حذرت من أن هذه الرسوم ستؤدي إلى انخفاض حجم التجارة إلى ١.٥% إذا تصاعدت الحرب التجارية، في حين أن الأمم المتحدة قدرت النسبة ما بين 3 و7 % وتراجع الناتج العالمي بنحو ٫٧% في بعض الاحتمالات نتيجة لسياسة ترامب وفرضه رسوماً جمركية بلغت ٢٥% على المكسيك وكندا، وما بين ٢٠ – ٥٥% على الصين أفقدت غالبية دول العالم الثقة في الولايات المتحدة والتجارة معها.
نعلم أن ترامب بمجرد عودته إلى البيت الأبيض للمرة الثانية في يناير من العام الماضي فرض رسوماً متنوعة على غالبية دول العالم تراوحت بين ١٠% في حدها الأدنى و55 % في حدها الأقصى، لكنها زادت على ١٠٠% في بعض الحالات الاستثنائية، كما حدث مع الصين على سبيل المثال، لكنه تم التراجع عنها وكان الهدف منها هو تعلية سقف التفاوض على الصين، وردت هذه الدول بفرض رسوم انتقامية مختلفة على المنتجات الأمريكية، ما أدى إلى انخفاض الصادرات الأمريكية وزيادة التوتر بين أكبر الاقتصادات الدولية.
هذه الرسوم أيضاً أعادت رسم خريطة التجارة العالمية وحدث نوع من تحويل التجارة، فبينما انخفضت الواردات الأمريكية من الصين، فقد زادت من دول أخرى مثل فيتنام والمكسيك وتايوان، ورأينا العديد من الشركات العالمية تعلق أجزاء من إنتاجها مع الصين لتجنب الرسوم.
أحد التأثيرات أيضاً هو اضطراب سلاسل الإمداد العالمية فقد تم تغيير بعض طرق التجارة ونقل المصانع إلى دول جديدة، وبالتالي ارتفاع تكاليف الإنتاج وتباطؤ التصنيع العالمي، وهو ما قاد أيضاً إلى ارتفاع الأسعار عموماً بسبب زيادة تكلفة الواردات ونقلت الشركات التكلفة إلى المستهلكين، فما لا يدركه الرئيس ترامب وكثيرون أن الرسوم يدفعها المستورد في النهاية ويحملها للمستهلك وليس الدولة الأجنبية مباشرة.
وأحد التأثيرات كانت زيادة عدم اليقين الاقتصادي العالمي، لأن الرسوم أدت إلى تقلب الأسواق العالمية وانخفاض الاستثمار وتأجيل العديد من الشركات لقراراتها الاستثمارية، وفي تقدير العديد من خبراء الاقتصاد فإن ما حدث هو أخطر الآثار، لأن الاقتصاد يعتمد أساساً على الثقة والاستقرار. الثمن الكبير لم تدفعه أمريكا أو الصين أو الدول الكبرى، بل دفعته الدول النامية، حيث إن صادراتها تراجعت ووظائفها تهددت وضعف نموها الاقتصادي.
السؤال المهم هل سياسات ترامب الحمائية أوقفت التجارة العالمية؟!
هذه الرسوم أدت إلى تخفيض النمو أو تباطؤه، ما أثر على التجارة الدولية، وأدت إلى تصاعد الحروب التجارية، وإعادة تشكيل سلاسل الإمداد وعدم استقرار الاقتصاد العالمي. لكن ورغم ذلك لا يمكن الجزم بأنها أوقفت التجارة العالمية لكنها أعادت توزيعها وأضعفت كثيراً من العولمة ودفعت إلى نظام تجاري عالمي أكثر انقساماً.
عموماً، المعركة لم تحسم حتى الآن، لكن مما هو واضح لنا حالياً فإن سلاح الرسوم الجمركية الذي أشهره ترامب ولوّح به مراراً ونفذه على أرض الواقع باعتباره أهم سلاح لديه يدمر به اقتصادات دول، قد ارتد عليه وقد يكون السبب في توجيه ضربة مؤلمة لنظامه، خصوصاً أنه يتزامن مع بدء الحديث عن انتخابات التجديد النصفى للكونغرس في الخريف المقبل. تعالوا نتخيل سيناريو تلزم فيه المحكمة العليا إدارة ترامب برد قيمة الرسوم التي تم تحصيلها بناءً على الرسوم الملغاة والمقدرة بنحو 175 مليار دولار.
في هذه الحالة سوف تنهار كل أسطورة ترامب بأنه قدم المليارات للخزينة، وبالتالي ستعود الأمور إلى ما كانت عليه سابقاً وتتنفس الصين ودول شرق آسيا وكندا والمكسيك وأوروبا الصعداء، وتبدأ رحلة هبوط ترامب. لكن لا تنسى أن في جعبة ترامب الكثير من أولها الحرب مع إيران مروراً بأوكرانيا نهاية بعلاقته بأوروبا. الخلاصة أن العالم يعيش واحدة من أصعب فتراته اقتصادياً وسياسياً.



شريط الأخبار