علي عبيد الهاملي
عندما تتقاطع المصالح وتتصادم المشاريع وتعلو أصوات البنادق فوق صوت العقل، تختار دولة الإمارات أن تكتب سرديتها بلغة مختلفة. لم تكن الإمارات يوماً دولة تبحث عن دور في معارك الآخرين، ولا منصة لصراع لا يعنيها، ولا جسراً تعبر فوقه نزاعات لا تؤمن بها.كانت، وما زالت، ترى أن أعظم ما يمكن أن تقدمه لنفسها ولجوارها هو أن تبقى صوت اتزان في زمن الانفعال، وميزان حكمة في لحظة الاختلال.
في كل الأزمات التي عصفت بالمنطقة، من حروب مفتوحة إلى توترات كامنة، تمسكت دولة الإمارات بمبدأ واضح هو مبدأ الحياد الإيجابي، وعدم التدخل في شؤون الغير، ورفض تحويل أراضيها أو أجوائها أو مياهها إلى ساحة تصفية حسابات. لم يكن ذلك موقفاً تكتيكياً، ولكنه خيار استراتيجي راسخ، يعكس فلسفة دولة تدرك أن الاستقرار منظومة متكاملة.
وحين اشتعلت الحرب الأخيرة، وتطايرت شظاياها السياسية والعسكرية في أكثر من اتجاه، كان موقف الإمارات امتداداً طبيعياً لهذا النهج. لم تنجر إلى خطاب التحريض، ولم تستجب لدعوات الاصطفاف.
أعادت الإمارات التأكيد على ثوابتها المتمثلة في سيادة الدول، واحترام القانون الدولي وحماية المدنيين، والعمل من أجل خفض التصعيد. كان واضحاً أن الإمارات تنحاز إلى منطق الدولة، وتبتعد عن المزايدات.
ومع ذلك لم تسلم من العدوان، فقد تعرضت لاعتداء غاشم وغير مبرر من قبل إيران في خطوة بدت مناقضة لكل ما أعلنته الإمارات من حياد، ومجافية لقواعد حسن الجوار التي طالما دعت إليها. كان الاعتداء موجهاً إلى فلسفة كاملة تبنتها الإمارات، تقوم على أن الأمن الإقليمي لا يُبنى بإشعال الحرائق، وإنما بإطفائها.
الرد الإماراتي لم يكن انفعالياً، فقد تعاملت الدولة مع الحدث بمنطق الدولة الواثقة وبحزم المؤسسة المستعدة. كشفت الأحداث عن منظومة دفاعية متقدمة، وعن جاهزية عالية في التعامل مع التهديدات، وعن قدرة تقنية وبشرية تؤكد أن الاستثمار الطويل في بناء القدرات الدفاعية لم يكن ترفاً ولكنه ضرورة تتطلبها حماية الدولة والحفاظ على منجزاتها. كان المشهد رسالة واضحة مفادها أن الإمارات دولة سلام، لكنها ليست دولة قابلة للاستباحة.
أثبتت الأحداث أن الحكمة لا تعني الضعف، وأن الحياد لا يعني العجز، فالدولة التي اختارت ألا تتدخل في شؤون غيرها، لم تتردد في حماية سيادتها وصون أمنها. وبين الموقفين خيط دقيق اسمه المسؤولية تجاه الذات، وتجاه الإقليم، وتجاه العالم.
المشهد الأعمق دلالة كان هو ما جرى في الداخل، ففي أوقات الأزمات تختبر الجبهات الداخلية قبل أن تختبر الحدود. وقد أظهرت الإمارات صلابة لافتة في تماسك مجتمعها وتلاحم مواطنيها والمقيمين على أرضها. كان الالتزام بتعليمات القيادة والجهات المختصة مشهداً عكس وعياً مجتمعياً ناضجاً يدرك أن الأمن مسؤولية مشتركة.
وأن الثقة بين المجتمع وقيادته ومؤسساته هي خط الدفاع الأول، ولم يكن هذا مستغرباً، فحين يشعر المواطن والمقيم بأنهما شريكان في مشروع وطني واضح المعالم، يصبح الاصطفاف خلف القيادة خياراً طبيعياً.. هنا تكمن قوة الإمارات الحقيقية في عقد اجتماعي غير مكتوب، قوامه الثقة المتبادلة والاحترام والمسؤولية.
الرسالة التي خرجت بها هذه الأحداث هي أن اليد الممدودة للسلام لا تعني التخلي عن الحق في الدفاع عن النفس والوطن، وأن الرهان الحقيقي في زمن الاضطراب ليس على قوة السلاح وحدها، وإنما على صلابة المجتمع وتكاتف أفراده واستجابته لتعليمات قيادته..
لهذا ستبقى الإمارات واحة أمن وأمان، لا لأنها بعيدة عن محيطها، ولكن لأنها تعرف جيداً كيف تتعامل معه. سوف تبقى نموذجاً لدولة اختارت أن يكون استقرارها جزءاً من استقرار الإقليم، لا على حسابه.
وعندما تتبدل التحالفات وتتعقد الحسابات، تبقى الثوابت هي العنوان الأوضح لنهج الإمارات المتمثل في سيادة مصونة، وجبهة داخلية متماسكة، وقيادة تقرأ اللحظة بعين الحاضر وعقل المستقبل.
سوف تمضي الإمارات في طريقها ثابتة الخطى، مؤمنة بأن المستقبل لا يُنتظَر، ولكنه يُصنع، وأن واحة الأمن التي بنتها ستبقى عصية على الرياح مهما اشتدت، وأن السواعد التي بنت قادرة على حماية ما أنجزت، فلا خوف على الإمارات في ظل قيادتها الحكيمة، وشعبها المؤمن بحكمة قيادته وحزمها.
الرجاء الانتظار ...