التدريب .. أفضل ممارسة عالمية

د. محمد النغيمش

سعدت بقراءة خبر حصول شرطة دبي على جائزة أفضل ممارسة على مستوى العالم في قياس أثر التدريب لعام 2025. مدير الإدارة العامة للتدريب العميد أحمد مرداس كشف عن ريادية هذه المؤسسة الأمنية، حيث صار في مقدورها ربط أثر التدريب المؤسسي بمؤشرات الأداء الاستراتيجية والنتائج التشغيلية.
هذا النموذج التطبيقي الذي قُدِّم إلى الجمعية الوطنية للتدريب والمحاكاة الأمريكية (NTSA) من قبل مديرة إدارة تقييم البرامج موزة أهلي، يشير إلى تمكن المؤسسة من توفير بيانات آنية ومنهجية تدعم متخذي القرار في تقييم العائد على التوقعات والعائد على الاستثمار التدريبي.
مشكلتنا في عالم التدريب هلامية النتائج، وذلك عندما لا يكون هناك مؤشرات واضحة للتقييم. المؤسسات المعتبرة تتبع طرقاً عدة للتقييم، وهو ما يجعل كل مبلغ يُنفَق فيها ذا مردود مادي ومعنوي، فالتدريب استثمار وليس مصروفات مهدرة.
هناك طرق عدة تقليدية لقياس أثر التدريب مثل نموذج الأبعاد الأربعة، لقياس أثر التدريب، منها معرفة ردود الأفعال، عبر قياس مدى رضا المتدربين عن البرنامج. وإذا لم يُقَس بشكل مهني ومستقل فإنه يهز جودة النتائج.
ردود أفعال المتدربين تجاه البرامج التدريبية هي مسألة تأتي في المقام الأول، بعكس ما يعتقده بعض العاملين في الموارد البشرية، من أنهم أفهم من المتدرب بما هو جيد وسيئ، فنحن نتعامل في الواقع مع بشر، لا بد أن يشعروا بالمتعة والفائدة مع مدربهم، ولهذا وُجِدَت آلية التقييم الدقيقة.
ومن أغرب ما رأيت في الدورات أن تطلب جهة من المدرب أن يجمع بنفسه أوراق التقييم. هذه الممارسة تخدش مصداقية النتائج لأن حرجاً سيعتري المتدربين في إبداء آرائهم الحقيقية تجاه المدرب.
ولتجنب هذا الانحياز السلبي لا بد أن يقوم طرف مستقل بعمل التقييم وتحليله، بل عدم منح المتدرب الشهادة قبل أن يدلي بدلوه تجاه المدرب والبرنامج التدريبي ككل.

بعبارة أخرى نقصد بردود الفعل معيار تقييم التدريب الذي يركز على مدى رضا المتدربين عن البرنامج التدريبي من حيث فائدته وجودة تنفيذه.
وهناك عنصر التعلم لقياس مدى فهم واستيعاب المتدرب للمحتوى، عبر اختبارات تحريرية ومهارية وتقييمات في أثناء البرنامج التدريبي. ونقصد بالتعلم مدى إدراك المشارك للمبادئ والحقائق والتقنيات، وقدرته على استيعابها، والاحتفاظ بها في الذاكرة. هنا يتباين المدربون في طرقهم الإبداعية في ترسيخ المعلومات وعرضها بشكل يمكّن الناس من تذكرها لأطول مدة ممكنة.
وربما العنصر الأبرز في تقييم البرامج التدريبية ما يسمى بقياس التغير السلوكي، فما فائدة إرسال المتدرب إلى أقاصي بلدان العالم، ثم لا نلمس تغييراً في سلوكه في بيئة العمل، كما يرجى من حضوره أن يصبح قادراً على نقل ما تعلمه إلى زملائه ومحيطه..
فالهدف من التدريب نقل مهارة قابلة للتطبيق في العمل، وهذا ما يميز التدريب عن المحاضرات التي تزود المشاركين بالمعلومات المهمة فيما تمنحهم الدورات مهارات قابلة للتطبيق.

أما العنصر الأخير فهو النتائج التنظيمية التي فازت بها شرطة دبي. وتتمثل عادة في مخرجات التدريب، مثل تعزيز الإنتاجية، وخفض التكاليف، ورفع جودة الخدمات والمنتجات، وتقليل الحوادث وغيرها.. فما فائدة حضور دورة عالمية عن الأمن والسلامة ثم نكتشف أن الحوادث والأخطاء الساذجة قد تزايدت؟
ما سبق هي الطرق التقليدية في تقييم التدريب، التي أدرّسها في الجامعة لطلبتي. وهناك وسائل أخرى عدة مثل قياس العائد والأثر المالي، والعائد على الاستثمار ROI، ومقارنة منافع التدريب بتكلفته، والتركيز على أثره في الربحية، والأداء المالي والميزة التنافسية. وهذا الجانب قد لا ينطبق على بعض البرامج التدريبية.
وهناك طريقة أخرى للتقييم قائمة على المقارنة المرجعية benchmarking مثل قياس البرامج التدريبية الداخلية ومقارنتها بالخارجية التي تقدمها شركات متميزة في هذا المجال، وتكلفة التدريب، ونسبة مدربي الموارد البشرية إلى عدد الموظفين وهكذا.
ومن المهم أن تُربَط آلية اختيار البرامج التدريبية ونتائجها بمؤشرات الأداء والخطط الاستراتيجية، وهذه من أفضل الممارسات، مثلما فعلت شرطة دبي التي تحاول جاهدة مسايرة أفضل التطبيقات العالمية.



شريط الأخبار