الخليج .. الصمود والتعافي

د.البدر الشاطري

قال عالم الأنثروبولوجيا الفرنسي المولود في بلجيكا كلود ليفي-ستروس: «إذا كان تعريف الحضارة هو سيطرة الإنسان على بيئته، فالعربي في الصحراء ورجل الإسكيمو هما أكثر الناس تحضراً».
هذه الخاصية لدى إنسان الخليج من التكيف والصمود وإعادة التعافي مردها التحديات التي واجهها سكان المنطقة منذ فجر التاريخ.
أعلنت أغلب دول الخليج العربية استقلالها في أعقاب الانسحاب البريطاني، وفي مرحلة السبعينيات من القرن الماضي. لم تترك بريطانيا بنية تحتية متكاملة لدولة؛ فواجهت هذه الدول واقع بناء دولة من نقطة الصفر، واستطاعت خلال فترة وجيزة أن ترتقي إلى مصاف الدول المتقدمة.
لكن دروبها لم تكن مفروشة بالورود. فقد واجهت تحديات إقليمية ودولية كثيرة وخرجت منها أقوى وأكثر متانة سياسياً واقتصادياً واجتماعياً.
منذ الاستقلال واجهت دولة الإمارات، على سبيل المثال، تحدي احتلال الجزر الثلاث من قبل إيران الشاهنشاهية في خضم تشكيل الاتحاد.
كما قامت دول الخليج بترتيبات لتثبيت الوضع الداخلي وتوطيد السلطة الوطنية، وخرجت الإمارات وشقيقاتها في دول الخليج أقوى وأكثر تماسكاً.

ثم كانت حرب أكتوبر 1973 التي أدت إلى حظر نفطي من دول الخليج على الدول الداعمة لإسرائيل، وما صاحب ذلك من تهديدات من بعض الدوائر الغربية، لكنها خرجت منها أكثر تحكماً في ثرواتها النفطية مع طفرة مالية ضاعفت دخلها النفطي أربع مرات.
ومع انتهاء ذلك الفصل جاءت تطورات عام 1979 التي شهدت أحداثاً جساماً اختبرت فيها دول الخليج مرة أخرى:
الثورة الإيرانية التي أطاحت بالشاه وهددت بتصدير الثورة، والغزو السوفييتي لأفغانستان وبداية ما سمي بحركات الجهاد في ذلك البلد، وتداعياتها على المنطقة، وأحداث الحرم المكي التي شهدت محاولة سيطرة جماعة دينية متطرفة على الحرم.

مرة أخرى تجاوزت دول الخليج هذه التحديات بثبات واتزان، وشهدت تدفق رساميل نتيجة تضاعف أسعار النفط، ما أحدث قفزة نهضوية غيّرت صورة المنطقة وأثرت إيجابياً على العالم العربي عموماً.
ثم كانت الحرب الإيرانية – العراقية التي زعزعت أمن المنطقة واستمرت ثماني سنوات عجاف، استُخدمت خلالها أسلحة مدمرة وأُنهك كثير من الرجال والعتاد، ودخلت المنطقة في أزمة طاحنة.
ما أن تعافت المنطقة حتى قرر الرئيس العراقي صدام حسين زجها في أزمة جديدة بغزو الكويت وضمها بحجج تاريخية واهية. انبرت دول الخليج لمناصرة شقيقتها الكويت، وتشكل تحالف دولي بقيادة الولايات المتحدة لإخراج القوات العراقية وتحرير الكويت.
وعانت دول الخليج وخسرت أرواحاً وموارد، لكنها مرة أخرى خرجت أقوى، وتعافت اقتصاداتها وتعزز استقرارها.

لم تنتهِ تداعيات الغزو حتى بزغ الإرهاب العالمي بوضوح في حادث الحادي عشر من سبتمبر 2001، حين نفّذ أفراد من تنظيم القاعدة اعتداءً على برجي التجارة.
دخلت المنطقة حينها أتون «الحرب على الإرهاب» بقيادة الولايات المتحدة، بدءاً من أفغانستان وانتهاءً بغزو العراق وإسقاط نظاميهما في كابول وبغداد.

كعادتها كسبت واشنطن المعارك وخسرت الحرب استراتيجياً، وبقيت المنطقة تعاني آثار هذه الحروب المدمرة.
كن دول الخليج التقطت أنفاسها وبدأت إعادة البناء، وانتعشت اقتصاداتها رغم أهوال القتال.

ولم تقتصر المغامرات على المجال العسكري؛ فقد واجهت العالم أزمات مالية انطلقت من الولايات المتحدة وأثرت عالمياً.
تأثرت دول المنطقة بدرجات متفاوتة بحسب مدى اندماج كل دولة خليجية في الاقتصاد العالمي، لكنها سرعان ما نهضت وتعافت مقابل الإعصار المالي.

ثم جاءت ثورات ما يسمى بـ «الربيع العربي» 2010 – 2011 التي طالت العديد من الدول العربية؛ ولا تزال آثارها قائمة، بينما خرج الخليج العربي منها سالماً وشهد نمواً مطرداً.
وأخيراً، حرب غزة في 7 أكتوبر 2023 وما تبعها من تداعيات تمتد إلى يومنا هذا. وإذا كان الماضي شاهداً على الحاضر والمستقبل، فإن الخليج العربي سيخرج أقوى وأفضل مما كان عليه.
من يراهن على الخليج العربي يكسب، ومن يراهن ضده يخسر - قاعدة تاريخية مدعومة بالوقائع التي عاصرناها وشهدناها.
مهم أن نستذكر هنا قول الشاعر:
إذا امتحن الدنيا لبيبٌ تكشفت له عن عدو في ثياب صديق.



شريط الأخبار