محمد خلفان الصوافي
من خلال رصد تفاعل مؤسسات العمل العربي المشترك مع الأزمات والتحديات التي تمر بدول الخليج الست مثل احتلال العراق للكويت، وأيضاً التحالف العربي ضد الحوثي، يصل أبناء الخليج إلى قناعة ملفتة:
أن هناك شيئاً من التكاسل العربي وعدم الحماسة في اتخاذ قرارات جماعية سريعة وقوية تدعم هذه الدول على عكس ما تفعله الدول الخليجية في حال تعرضت الدول العربية لأي مساس يهدد أمنها القومي.
العدوان الإيراني الغاشم على دول مجلس التعاون الخليجي أكد صحة هذه القناعة من خلال حالة الصمت العربي لفترة تصل لأكثر من أسبوعين وعندما جاء التحرك كان باستحياء لبعض الدول.
بحكم القاعدة التقليدية: «الأمن القومي العربي كلٌ لا يتجزأ»، يفترض أن أمن دول الخليج مهم جداً لمؤسسات العمل العربي ليس من باب العاطفة التاريخية، والعاطفة الثقافية وإنما من باب المصلحة الوطنية لباقي الدول العربية لسببين.
الأول: أن الدول الخليجية عرف عنها مواقفها الجادة والصادقة تجاه ما يهدد الأمن العربي منذ أيام السبعينيات من القرن الماضي في الحرب العربية ـ الإسرائيلية وكان الدعم العربي بالنفس قبل المال؛ كما لا أحد يستطيع أن ينكر مواقف هذه الدول في مواجهة الخطر الوجودي لبعض الدول بفعل ما كان يسمى بـ«الربيع العربي».
السبب الثاني: الدول الخليجية «وطن» لأبناء كل الدول العربية الباقية، إما للعمل لكسب الرزق وبعضهم يقيم فيها بشكل دائم، وبعض هؤلاء العرب يستثمرون أموالهم في هذه الدول، ما يعني أن من باب المصلحة الوطنية للدول العربية ومن المنطق أيضاً التفكير في مصير أبنائهم إذا لم يقلقهم الاستقرار الخليجي، ولكن عندما يكون العقل مختطفاً أو عاجزاً عن تقدير الأولويات الوطنية تُفتقد البوصلة.
الخليجيون لم يفاجأوا بمواقف بعض النخب العربية من بقايا الفكر القومي العربي الذين تصدروا المشهد الإعلامي ليعبروا عن مواقفهم المؤيدة لإيران في عدوانها على الدول الخليجية من خلال تبرير سلوكها المرفوض وطنياً وأخلاقياً وإنسانياً.
بل الخليجيون أكثر وعياً بقدرات العرب الحقيقية قبل أن يطلبوا من المؤسسات العربية مثل جامعة الدول العربية وحتى الدول الإقليمية الكبرى للدفاع عنهم من الصواريخ الإيرانية المتهورة والعمياء عن العدو الحقيقي لها.
ولكن كان المطلوب على الأقل إدانة واستنكاراً عربيين بشكل جماعي، والشيء الآخر إسكات «الأبواق» الإعلامية والسياسية التي تغذي الرأي العام بفكر لا يخدم القضايا العربية.
معالي الدكتور أنور قرقاش المستشار الدبلوماسي لصاحب السمو رئيس الدولة، عاتب العرب بلسان حال كل الخليجيين في تدوينة له على حسابه في منصة «إكس»، مؤخراً، متسائلاً: أين مؤسسات العمل العربي والإسلامي المشترك، وفي مقدمتها الجامعة العربية، ومنظمة التعاون الإسلامي؟ وأين الدول العربية والإقليمية «الكبرى»؟
هذه أسئلة بسيطة في شكلها ولكنها مصيرية حول العمل السياسي العربي الذي يبدو أنه يعاني خللاً متراكماً لعدة عقود ويحتاج لإعادة تقييمه على اعتبار أن التكتلات السياسية الإقليمية يبرز دورها الفعلي عادة في أوقات الأزمات والتحديات الكبرى.
فهذا واجبها تجاه أعضائها قانونياً وإذا اختفى هذا الواجب فهذا معناه أن هناك خللاً وجب استدراكه وحله قبل أن يتم التفكير في «إعلان وفاة» المؤسسة العربية.
يمكن أن تكون أسئلة الدكتور صادمة ولكنها في غاية الأهمية من باب محاولة «إنعاش العمل العربي» إذا كان فيه بعض الحياة أو النفس العربي.
وتجاهل الإجابة عن هذه الأسئلة سيكون صعب التحرك نحو الاتجاه الصحيح مستقبلاً في حماية هذا الأمن، لأن منطقة الشرق الأوسط بعد هذه الحرب لن تكون كما قبلها. على الأقل أن إيران صنفت نفسها الخطر الفعلي وليس كما كان محتملاً لاستقرار منطقة الخليج.
وبالتالي فالأمر يحتاج إلى وضوح وشفافية حتى لا يخرج علينا من يفاضل بين عداوة إسرائيل وعداوة إيران، وأن هناك عدواً مقدماً على آخر، فالسلوك العدواني هو من يقرر تصنيفه.
التردد العربي في دعم الدول الخليجية أعطى إشارة سلبية للنظام الإيراني في عنجهيته العسكرية وعدوانيته لدرجة أنه لم يكن يتردد في إرسال مسيراته وصواريخه لكل دول الخليج، وما زاد «الطين بِلة» أن من يطلقون عليهم النخبة العربية يبررون فعل إيران من أجل تحرير فلسطين.
الرجاء الانتظار ...