موسم الهجرة إلى الجنوب!

محمد خالد الأزعر

القطاعات والقوى الاجتماعية السياسية في العالم الغرب على جانبي الأطلسي، الموصوفة بالتطرف القومي المشوب بالشوفينية والتعالي العرقي، لا يخفون امتعاضهم من جموع وافدي دول الجنوب من المهاجرين واللاجئين وكراهيتهم لهم. وفي معظم معالجاتهم وأدبياتهم، يتعامل المنخرطون في هذه الحالة الثقافية مع هذه الجموع على سوية واحدة، لا تفرق بين الوافدين بشكل شرعي قانوني، وبين المتسللين عبر طرق غير شرعية. هذا يعني أننا بصدد مقاربة جذرية للآخر، بحسب السحنة أو اللون أو اللغة أو القناعات الدينية، أو حتى المذهبية أحياناً.. إنها مقاربة تتجافى تماماً والأصول الأولية لدعاوى المساواة ومواثيق حقوق الإنسان، بقدر ما تضمر التمييز العنصري.
لهذه الظاهرة تاريخ ممتد في موروث الاجتماع الإنساني الغربي، الذي ظن الكثيرون أنه أفل، ولم يعد له مريدون معاصرون، باستثناء بعض الدوائر المحافظة المتعصبة، غير المؤثرة في تحديد مدارات وخيارات الحياة السياسية.. بيد أن إطلاله وتفشيه اجتماعياً، وبلوغ معتنقيه حد التبلور في أحزاب سياسية، استطاع مرشحوها استقطاب المزيد من الأنصار والناخبين، بما أوصل بعضهم إلى قمم صناعة القرار في غير عاصمة أوروبية، أصبح حقيقة تخرق الأعين. بدأ هذا التمدد الزاحف وتضخم أولاً في القارة العجوز، ثم شق طريقه لاحقاً إلى الولايات المتحدة، وهي المتأسسة تاريخياً على أكتاف المهاجرين واللاجئين، والمعروفة بأنها ملاذ آمن لهم، حتى إنه حمل إلى البيت الأبيض نخبة سياسة وحكم وإدارة، يقودها رجال جعلوا من مطاردة هؤلاء الأخيرين وطردهم بنداً ثابتاً على رأس أجنداتهم!
مقابل هذه القطاعات والنخب اليمينية المحافظة الانعزالية، التي يبدو وكأنها تمضي في عكس اتجاه التاريخ، تقف قوى وأطر، لا تستمرئ صد المهاجرين بشكل مبدئي أو عشوائي يقوم على منطلقات عنصرية، وإنما تسعى للتعامل معهم بعقلانية ورشد، وتقيم وزناً للتبصر في أسباب تدفقهم من مواطنهم وكيفية الاستفادة منهم.. ويعتقد هؤلاء، عن جدارة، بأن منع هذا التدفق كلياً في «زمن العولمة»، وسهولة الاتصال والتواصل أمر دونه صعوبات جمة، بل ويكاد يكون مستحيلاً. ومن متابعة أدبيات هؤلاء، الذين يمكن وصفهم بـ «المعتدلين»، يمكن ملاحظة كيف أنهم توسلوا بالأدوار الاجتماعية والاقتصادية الإيجابية التي اضطلع بها المهاجرون واللاجئون أثناء جائحة «كوفيد» سيئة الذكر، كدليل على صحة توجههم ورؤيتهم الأبعد نظراً.
قضية الهجرة واللجوء، ما لها وما عليها، أضحت في كل حال، جزءاً جوهرياً ضمن شواغل مجتمعات الشمال، بحيث ما عاد خطاب لأحد المرشحين في حملة انتخابية ما، على الصعد الجهوية والنوعية المحلية أو السياسية القومية العامة، يخلو من تناولها ومناوشتها، ومحاولة توظيفها في دغدغة عواطف الناخبين من خلالها، سلباً أو إيجاباً. ولكن الجديد اللافت بالخصوص، هو رصد إرهاصات لوجود هجرة في الاتجاه المعاكس، من دول الشمال إلى الجنوب.
خلاصة المتاح مؤخراً حول هذا المستجد، هو أن عشرات الألوف من الأوروبيين الحائزين على مؤهلات علمية رفيعة، يتجهون، بفعل البطالة وفائض وجودهم عن حاجة أسواق مجتمعاتهم، للعمل في بعض دول الجنوب ذات البرامج التنموية الواعدة.. ويزيد على ذلك إثارة للفضول والدهشة في هذا السياق، توجه اليابان الشهيرة بالانغلاق والاعتماد على الذات، إلى التساهل في استقبال المهنيين والخبراء الأجانب، من الأوروبيين وسواهم، بالنظر لانخفاض معدل المواليد لديها بشكل قياسي، وارتفاع معدل الشيخوخة الذي يراوح اليوم حول 29 % لمن هم فوق الستين.
في لمحة ذكية، تعلق الصحافية البولندية، ألكساندرا ليبزاك، على إطلالة هذا التيار الأخير بأنه «ليس استيطاناً يعيد للأذهان أزمنة التجارب الاستعمارية، ولكنه أقرب إلى عملية انتقال مؤقت، بحثاً عن فرص أكثر إغراء».. وهذا في تقديرنا يخالف تقليد هجرة الجنوبيين إلى الشمال، لجهات الأسباب والتداعيات، وكذا من حيث ميل أصحابه للاستقرار والتوطن. وقناعتنا أن «انتقال» بعض أهل الشمال إلى الجنوب يبقى مأموناً، ويحظى في مجتمعات الاستقبال بالسكينة والترحاب إلى حد بعيد.. هذا في حين يحول تفشي النوازع الاستعلائية والتعصب القومي المفرط لدى أهل الشمال، دون توقع الأمر ذاته بالنسبة لـ«هجرة» الجنوبيين.



شريط الأخبار