سليمان جودة
عاد الرئيس التركي رجب طيب أردوغان يدق باب أوروبا من جديد، حيث تحدث في افتتاح القمة البرلمانية لحلف شمال الأطلنطي «الناتو» في إسطنبول، ووجدها مناسبة لأن يعيد تذكير الأوروبيين بما سبق أن دعاهم إليه، ولم تكن دعوته المتكررة سوى إلحاق بلاده عضواً في الاتحاد الأوروبي، ولكنه قالها بصيغة مختلفة هذه المرة فدعا إلى دمج تركيا فيما سماه: الهيكلية الدفاعية الأوروبية.
وهو قد اشتغل على هذه الرغبة لديه طويلاً، ولم يكن مسعاه يصادف نجاحاً في كل مرة، ولكنه في المقابل لم يكن ييأس أبداً، وكان يعتقد أن عليه أن يحاول دائماً وألّا يتوقف عن المحاولة، وكان يفعل ذلك كله عن يقين في داخله بأن تركيا تستحق أن تكون عضواً في الاتحاد، وأن قربها الجغرافي الذي يجعلها قطعة عضوية من أوروبا تقريباً يظل يؤهلها لذلك، وكذلك اقتصادها من حيث حجمه وترتيبه بين اقتصادات العالم.
فليس سراً أن الاقتصاد التركي واحد من اقتصادات مجموعة العشرين، وانتسابه إلى هذه المجموعة يعني أنه واحد بين أكبر عشرين اقتصاداً في العالم، وليس سراً أيضاً أن دخول تركيا هذه المجموعة تم على يد أردوغان نفسه، وبالتالي فهو يظل يشعر بينه وبين نفسه بأن اقتصاداً بهذا الترتيب لا يجوز أن يجد صدوداً إذا ما أراد الانتساب إلى الاتحاد.
كان الأوروبيون يرفضون في كل مرة، وكانوا يجدون المبرر الجاهز للرفض، ولم يكونوا يجدون صعوبة في العثور على المبرر الذي يريدونه، وكانوا يختلقونه إذا لم يجدوه، فالمهم ألّا تجد تركيا الباب مفتوحاً أمامها في مقر الاتحاد في بروكسل.
من بين المبررات التي قيلت مثلاً: إن هناك معايير محددة للالتحاق بالاتحاد، وإن قيادة الاتحاد في العاصمة البلجيكية سوف تنظر في العضوية التركية باهتمام، عندما تجد أن المعايير المطلوبة متوفرة ومستوفاة.
ولم يكن أردوغان يُكذّب خبراً، فكان يسارع إلى العمل على المعايير المقصودة، فإذا ظن أنه عمل عليها بما يكفي عاد يطرق الباب، فينفتح عمّن يخبره بأن ما حققه لا يكفي، وأن عليه أن يستأنف ما بدأه لعل وعسى.
ولأمر ما تشعر وأنت تتابع رغبة تركيا في العضوية، والصدود الذي كانت ولا تزال تجده في انتظارها أوروبياً، بأن هناك أسباباً أخرى غير الأسباب المعلنة للرفض والصدود، ولكن أنقرة لم تكن تملك بالطبع مناقشة الأوروبيين إلا في الأسباب المعلنة لا المخفية لضمان الاندماج، ولم يكونوا ييأسون وكانوا يعودون ولديهم أمل متجدد في كل مرة.
من هذا الأمل ما دعا أردوغان أوروبا إليه، وهو يفتتح القمة البرلمانية في مدينة إسطنبول آخر أيام يونيو المنقضي، وقد كانت المدينة توصف ولا تزال بأن موقعها يجعل نصفها في أوروبا جغرافياً، بينما النصف الآخر في قارة آسيا.
إن تركيا تتمتع بالعضوية في حلف شمال الأطلنطي، الذي تجلس الولايات المتحدة الأمريكية على رأسه، وتصنيف الجيش التركي يضعه في المرتبة الثانية بين جيوش دول الحلف على مستوى عدد الأفراد، وتظل الصناعات العسكرية التركية في المرتبة الحادية عشرة بين الصناعات المثيلة في العالم، ورغم هذا كله تجد تركيا أنها واقفة خارج سور الاتحاد تدق الباب فلا ينفتح، وإذا انفتح فللاعتذار عن عدم قبول العضوية.
وإذا انطبق على الرئيس التركي معنى في هذا السياق، فالمعنى المنطبق عليه هو ما كان الشاعر قد قاله عن أن العزم قد صح منه ولكن الدهر أبى.
الرجاء الانتظار ...