محمد الرميحي
المقترح أن يقرأ السياسي المعاصر كتاباً صغير الحجم هو «دروس التاريخ» للمؤرخين الأمريكيين ويل ديورانت وزوجته، اللذين كتبا السفر الضخم (قصة الحضارة) مكوناً من عدد من المجلدات، واستخلصا من ذلك السفر هذا الكتاب الصغير، والذي نُشر لأول مرة عام 1968، ثم أُعيدت طباعته مرات عدة لاحقاً بلغات مختلفة، منها العربية نشرته دار سعاد الصباح في الكويت. من يقرأ ذلك الكتيب يخرج منه بخلاصة كبيرة بحجم العالم المضطرب الذي نعيشه اليوم. فالكتاب، رغم أنه لا يتجاوز مئة صفحة تقريباً، هو في الحقيقة عصارة حضارات، وملخص تجارب إنسانية ممتدة عبر آلاف السنين، صيغت بلغة مكثفة لا تخلو من حكمة باردة، وأحياناً قاسية.
ينطلق ديورانت من فكرة بسيطة لكنها عميقة، أن التاريخ ليس سلسلة أحداث عشوائية، بل هو تكرار لأنماط بشرية ثابتة، تتغير أشكالها، ولا يتغير جوهرها. الإنسان هو هو، بأطماعه، ومخاوفه، وسعيه للسلطة، ورغبته في البقاء. ومن هنا، فإن فهم الماضي ليس ترفاً ثقافياً، بل ضرورة سياسية لفهم الحاضر واستشراف المستقبل. أول الدروس التي يبرزها الكتاب هو أن الحضارات لا تسقط فجأة، بل تتآكل من الداخل قبل أن تُهزم من الخارج. الفساد، وتآكل القيم، واتساع الفجوة بين الحاكم والمحكوم، كلها عوامل تجعل الدولة هشة، حتى وإن بدت قوية في ظاهرها. وهذه ملاحظة شديدة الأهمية في عالم اليوم، حيث تبدو بعض الدول متماسكة اقتصادياً أو عسكرياً، لكنها تعاني من تصدعات داخلية عميقة، تعوّض بشعارات أيديولوجية عالية الصوت فارغة المعنى.
الدرس الثاني يتعلق بالاقتصاد، حيث يرى ديورانت أن التاريخ في جوهره يدور على الموارد والنفوذ. الحروب والثورات، والتحالفات، كثيراً ما تكون خلفها دوافع اقتصادية، حتى وإن غُلفت بشعارات دينية أو قومية. وهذا يفسر الكثير مما يحدث في عالمنا المعاصر، حيث تختلط المصالح الاقتصادية بالخطابات الأيديولوجية، فيبدو الصراع وكأنه صراع قيم، بينما هو في حقيقته صراع مصالح.
أما الدرس الثالث، فهو أن القوة العسكرية وحدها لا تكفي لبناء دولة مستقرة، فقد أثبت التاريخ أن الإمبراطوريات التي قامت على السيف وحده سرعان ما تهاوت، بينما تلك التي نجحت في بناء مؤسسات، وتحقيق قدر من العدالة والتنمية، استطاعت أن تعيش أطول. وهذا يضع أمام السياسي المعاصر معادلة دقيقة، قليلاً ما يتلفت إليها: الأمن ضروري، لكنه لا يغني عن الشرعية.
ويضيف ديورانت درساً رابعاً لا يقل أهمية، وهو أن الحرية والنظام في حالة شد دائم. فكلما زادت الحرية، تعرض النظام للاهتزاز، وكلما زاد التشدد في فرض النظام، تقلصت الحرية. الحكمة السياسية تكمن في إدارة هذا التوازن من خلال مؤسسات، لا في الانحياز الكامل إلى أحد الطرفين. وينتهي إلى القول إن الحرب ليست حدثاً طارئاً، بل حالة متكررة في التاريخ، السلام فترات قصيرة بين صراعات طويلة. كما أن الديمقراطية ليست نهاية التاريخ إذا سيطر عليها المال، أو ضعفت المؤسسات.
في عالم اليوم، حيث تتقاطع الأزمات الاقتصادية مع الصراعات الجيوسياسية، تبدو دروس ديورانت أكثر راهنية من أي وقت مضى. فالدول التي لا تقرأ تاريخها، ولا تتعلم من تجارب غيرها، محكوم عليها بأن تعيد الأخطاء نفسها، وتدخل في صراعات عبثية، وتدفع ثمناً أعلى، فالسلام أرخص كلفة من الحرب.
الخلاصة التي يمكن أن يستفيد منها السياسي اليوم، ليست وصفة جاهزة، بل وعي عميق بأن التاريخ ليس ماضياً انتهى، بل حاضر مستمر بأشكال مختلفة. ومن يفهم هذه السرديات، يدرك أن الحكمة ليست في تجنب الصراع فقط، بل في فهم أسبابه العميقة، وإدارته بعقل بارد، قبل أن يتحول إلى قدر لا يمكن الفرار منه.
الرجاء الانتظار ...