د. موزة غباش
منذ يومين فقط، وقفتُ خلف نافذتي في العوير أراقب السماء وهي تتلبد بالمزون، كنت أرصد العاصفة التي هبت علينا، ورحت أراجع مع نفسي كيف كان الأجداد يقرأون لون السحاب ويستبشرون بـ«روايح» الخير. ومع اشتداد وقع المطر على الأرض، شعرت أن الأرض تفرح فعلاً حين ترتوي بعد ظمأ، وأن الصحراء تسترد روحها في تلك اللحظات التي لا تتكرر.
خلال اشتداد العاصفة والمطر، كانت قواتنا المسلحة الباسلة تخوض معركة دفاع كبرى عن أمننا، وتمنع الصواريخ والمسيّرات الغادرة أن تقترب منا، لم نكن خائفين أو مرعبين، بل اجتمعت قلوبنا في المجالس، نتبادل «التباشير» ونطمئن على الجار والقريب، مجسدين أسمى قيم التلاحم التي ورثناها. وما أثار فخري بصفتي خبيرة تراث هو رؤية «الفزعة» الإماراتية القديمة وهي ترتدي ثوب الحداثة؛ فبينما كانت أجهزة الدولة، من طوارئ وشرطة وبلديات، تعمل كخلية نحل قبل وأثناء وبعد العاصفة بإدارة احترافية، كان المواطنون والمقيمون يضربون أروع أمثلة الصبر والتعاون.
إن ما حدث فعلاً كان تجلياً لـ«قيم الاستدامة» التي عاشها أجدادنا؛ فالقيادة الحكيمة التي وضعت الخطط واستنبطت الحلول وحمت الأرواح، في الأرض والبحر والسماء والبر، هي ذاتها الدولة التي وجهتنا وعلمتنا أن الماء أمانة، وأن التكاتف وقت «السيل» هو اختبار المعدن الأصيل؛ لذلك فإن «أمطار الخير الإماراتية» قد سقت الهوية العريقة، وجددت فينا الانتماء، وأكدت أن إرثنا هو بوصلتنا في مواجهة كل الأنواء.
بالطبع، ارتبط المطر في القصيدة الإماراتية بـ«التباشير»، فالشاعر يرى المطر كـ«رزق ميسور» يحيي القريحة. ونجد في قصائد المغفور له الوالد المؤسس الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، أجمل الإشارات التراثية، إذ يقول في قصيدة «عشب بينونة»:
يعـــــــــــــــــــل نـــــــــــــــــو بانــــــــــــت انزونـــــــــــه يسجي الظفره أو يرويها
لين يزخـــر عشــب بينونــــــــــه والغزر تسقي سواقيها
والرمل يعشب أويرعونه والبدو تزهي مبانيها
ويستجي م الغيث في السونه شرق والوديان ييريها
والجبــــــل تدفــــــــــــــق اركــونــــــــــــــــــــــه ويملي الجيعان ياريها
والغضي تتنقل اظعـونه لي اهموم القلب يشفيها
وان عرض يمشي على هونه بيس بالدنيا وما فيها
يمتلك الإماراتي «قاموساً مناخياً» غنياً يعكس قوة ملاحظته للطبيعة. هناك «الوسمي» الذي يوسم الأرض بالخضرة، و«المطيرة» و«الديمة» (المطر الساكن المستمر)، و«المطاليع» أو «الأحيمر» (ضربة الأحيمر الشهيرة التي يحذر منها البحارة)، وهذا التعدد في المسميات هو علم شعبي موروث، ففهم الفرق بين «الرّوايح» التي تأتي صيفاً و«السرايات» يعكس ذكاء الإنسان الإماراتي في التعامل مع بيئته، وهذه المصطلحات وغيرها الكثير هي جزء من الهوية اللغوية التي تربط الأجيال الحديثة بذاكرة الأجداد وكيفية قراءتهم للسماء قبل عصر الأقمار الصناعية بكثير.
إن المثل الشعبي هو «خلاصة الحكمة»، فالإماراتي يقول: «إن روتْ بدتْ»؛ أي إذا ارتوت الأرض ظهر خيرها، وهذا مفتاح التفاؤل والارتباط بالناتج الزراعي والرعوي، فالمطر في الأمثال هو معيار للبركة، وترسيخ لقيم الصبر والاتكال على الخالق، وهو أيضاً تعبير عن فلسفة «الرضا» والقناعة، فالمطر «خير» مهما كان حجمه، والماء هو «شريان الحياة» الذي تُبنى عليه العلاقات الاجتماعية والتحالفات القبلية قديماً حول موارد المياه (الأفلاج والآبار).
في «الليالي المطيرة»، كان المجتمع يلتف حول «الضو» (النار) لسماع الحكايات. المطر كان يخلق حالة من الانسجام العائلي والاجتماعي؛ لأن الحكايات المرتبطة بالمطر تراثياً غالباً ما تتحدث عن «الرزق المفاجئ» أو «رحلات البحث عن العشب»، وهذه القصص تغرس في نفوس الأطفال احترام الطبيعة وهيبتها، فالمطر هو بطل يحرك الأحداث، يجمع المتفرقين، ويحول الصحراء القاحلة إلى مسرح للجمال والدهشة؛ ما يعزز الخيال الإبداعي المرتبط بالبيئة المحلية.
وكما نعلم، فإن المطر هو المغذي الأول للأفلاج، وهو نظام ري عبقري يمثل قمة الاستدامة في التراث الإماراتي. توزيع المياه بعد الأمطار كان يتم وفق نظام «الأثر» و«المحاصصة» بكل عدالة ودقة، حيث استطاع الأجداد تطويع التضاريس لاستغلال كل قطرة مطر، إنها هندسة البقاء التي تعكس ذكاء الإنسان في التعامل مع الشح المائي وتحويله إلى جنات خضراء؛ ما يؤكد أن التراث الإماراتي هو تراث عملي وإنتاجي بامتياز.
بعد أمطار الخير، تبدأ دورة حياة جديدة في الصحراء، ويظهر «الفقع» (الكمأة) وتخضر المراعي؛ ما ينعش هواية المقناص والرحلات. والخروج للبر بعد المطر هو رحلة تأملية في ملكوت الله، وهو تدريب على مهارات الاستدلال بالنجوم ومعرفة أثر الدواب. المطر ينعش الحرف التقليدية المرتبطة بالبر، ويجعل من الصحراء مدرسة مفتوحة لتعلم مهارات البقاء والتعايش السلمي مع الطبيعة.
في مواسم المطر والخير، تصدح الحناجر بالفنون الأدائية؛ الرزيف والعيالة، والتعبير عن «النصر والبهجة» بقيادتنا الرشيدة، وقواتنا المسلحة وقدوم الغيث. الكلمات المغناة غالباً ما تتضرع لحماية الوالد القائد، رئيس الدولة، حفظه الله ورعاه، الذي عمّ خيره كالغمام، والدعاء لحكام وشيوخ الإمارات، حفظهم الله جميعاً، ولقواتنا المسلحة الباسلة، فكان المطر في زيارته الأخيرة القصيرة هو المايسترو الذي حرك هذه المشاعر وحولها إلى تراث غير مادي محفوظ في ذاكرتنا الإماراتية الأصيلة.
الرجاء الانتظار ...