«العزم» حين يكون موقفاً ومساراً

علي عبيد الهاملي

تحل الذكرى الرابعة ليوم 17 يناير 2022 في دولة الإمارات العربية المتحدة، لا بوصفها تاريخاً عابراً في الذاكرة، بل بوصفها محطة وعي، واستدعاءً لمعنى عميق اسمه «العزم».
عزم الدولة حين تُختبر، وعزم القيادة حين يتم استهداف الوطن، وعزم الشعب حين يُدعى إلى الاصطفاف خلف قيادة وطنه، لا بالشعارات، بل بالثقة واليقين والالتفاف الواعي حول مشروعه الوطني.

«يوم العزم» يأتي تأكيداً على موقف إماراتي ثابت، لا تحكمه ردود الفعل ولا تنحرف به الانفعالات، موقف يقوم على مبدأ واضح، هو حماية السيادة الوطنية، وصون أمن المجتمع، والدفاع عن حق الإمارات وشعبها والمقيمين على أرضها في الحياة الآمنة المستقرة.
وهو في الوقت ذاته تجديد للعهد بين القيادة والشعب، بأن هذا الوطن، الذي بني على الحكمة والتخطيط والعمل المتراكم، لا تهزه اعتداءات، ولا تربكه محاولات يائسة لزرع الخوف، أو التشكيك في قدرته على حماية أمنه.

في 17 يناير 2022، حين استهدفت الهجمات الإرهابية دولة الإمارات، كان المشهد أكبر من الحدث نفسه. لم يكن السؤال «ماذا حدث؟»، بل «كيف سنقرأ ما حدث؟».
هنا تجلت قوة الدولة الحقيقية، فالإمارات لم تنجر إلى خطاب الغضب، ولم تنزلق إلى منطق الانتقام، ولم تسمح بأن تتحول الجريمة الإرهابية إلى مادة للمزايدات أو الاستثمار السياسي. تعاملت مع الحدث بعقل الدولة، لا بعاطفة اللحظة، وبحزم السيادة، لا بالشعارات الفارغة.

«العزم» الذي نحتفي به اليوم لم يكن مجرد موقف أمني أو عسكري، على أهمية ذلك، بل كان موقفاً وطنياً شاملاً. رأيناه في جاهزية المؤسسات، وفي وضوح الرسالة الإعلامية، وفي ثبات الخطاب السياسي، وفي تماسك المجتمع الذي رفض أن يمنح الإرهاب ما يسعى إليه من خوف وارتباك.
فعلى العكس من هذا، تحول الاستهداف إلى لحظة وحدة، إلى مناسبة لتجديد الثقة بالقيادة، وبالجيش الوطني، وبمنظومة الأمن التي أثبتت كفاءتها واستعدادها.

هنا تتجلى الفكرة الأهم، فكرة أن قوة الأوطان لا تقاس فقط بقدرتها على تجاوز التحديات، بل بقدرتها على الاستعداد لها، وامتصاص آثارها، وتحويلها إلى فرص لتعزيز التماسك والجاهزية والثقة بالمستقبل. الإمارات، في تلك اللحظة، لم تدافع عن نفسها فقط، بل دافعت عن نموذجها، نموذج الدولة التي لا تدار بالأزمات، بل تدير الأزمات.
«يوم العزم» هو رسالة إلى الداخل تقول لكل إماراتي ومقيم على هذه الأرض إن هذا الوطن يعرف كيف يحمي نفسه، وكيف يحمي من يعيش فيه، وكيف يوازن بين الأمن والتنمية، وبين الحزم والانفتاح. وهو في الوقت ذاته رسالة إلى الخارج تقول إن الإمارات، وهي دولة سلام وتنمية، لا تتهاون في الدفاع عن سيادتها، ولا تقبل بأن تكون هدفاً للإرهاب أو ساحة لتصفية الحسابات.
لعل ما يمنح هذا اليوم دلالته الأعمق هو أنه لا يُختزل في ذكرى حادثة، بل يُبنى عليه مسار يعزز مفهوم الجاهزية الوطنية، ويرسخ ثقافة الوعي، ويؤكد أن الأمن مسؤولية مشتركة، وأن حماية الوطن تبدأ من الإيمان به، وبقيادته، وبمستقبله.
لذلك لم يكن غريباً أن يترافق إحياء «يوم العزم» مع خطاب عقلاني متزن، يدعو إلى الالتفاف، لا إلى التحريض، وإلى البناء، لا إلى الهدم، وإلى تحويل المحن إلى منح ودروس.

عندما تتوالى الأزمات، وتتراجع مفاهيم الدولة في بعض المناطق، تبدو تجربة الإمارات في التعامل مع التحديات نموذجاً يستحق التأمل. فهي تجربة لا تمجد الخطر، ولا تضخم التهديد، بل تضعه في حجمه الحقيقي، وتتعامل معه ضمن استراتيجية شاملة عنوانها الأمن والتنمية والإنسان.
«يوم العزم» في جوهره هو يوم للثقة والإيمان بأن هذا الوطن، بقيادته وشعبه والمقيمين على أرضه، أقوى من أي محاولة للنيل منه. هو تذكير بأن الإمارات لم تُبنَ على المصادفة، ولن تُدار بردود الأفعال، وأن «العزم» الذي واجهت به تلك اللحظة الصعبة، هو ذاته «العزم» الذي تمضي به نحو المستقبل.
هكذا تفهم الإمارات «العزم» موقفاً، لا شعاراً. ومساراً، لا لحظةً عابرة. ووعداً متجدداً بأن الوطن، حين يُستهدف، يزداد قوة، لا تراجعاً. الإمارات دولة سلام ومحبة، ولكن عندما يتعرض أمنها للتهديد والخطر يظهر عزمها على الدفاع عن أرضها وسمائها ومقدراتها وإنجازاتها، ويصبح «العزم» هو شعار المراحل كلها، لا شعار مرحلة عبرت في تاريخها.



شريط الأخبار