د. علي بن سباع المري
ليست الحروب هي اللحظة الأكثر خطورة في التاريخ، بل ما يأتي بعدها، فحين يصمت السلاح تبدأ معركة مختلفة؛ معركة إعادة رسم النفوذ، وتغيير موازين القوة، وفتح الطريق لشرق أوسط قد لا يشبه كثيراً ما عرفناه خلال العقود الماضية.وما يحدث اليوم في منطقتنا قد لا يكون مجرد مواجهة عسكرية عابرة، بل بداية مرحلة جديدة يُعاد فيها تشكيل النظام الإقليمي بأكمله، فالحرب الدائرة اليوم تختلف في طبيعتها عن كثير من الحروب التي عرفتها المنطقة خلال العقود الماضية.
نحن أمام صراع تتداخل فيه الحسابات الإقليمية مع التوازنات الدولية، وتُستخدم فيه أدوات متعددة تبدأ بالصواريخ البالستية والطائرات المسيّرة، وتمتد إلى الحرب السيبرانية وحروب المعلومات؛ ولهذا لم يعد السؤال الأهم هو من يتقدم عسكرياً في لحظة معينة، بل أصبح السؤال الأكثر أهمية: كيف سيبدو الشرق الأوسط عندما تنتهي هذه الحرب؟
قبل اندلاع هذه المواجهة، كان الخط الأحمر الذي تتحدث عنه الولايات المتحدة وإسرائيل واضحاً؛ منع إيران من الوصول إلى السلاح النووي، فقد نظر صناع القرار في واشنطن وتل أبيب إلى البرنامج النووي الإيراني، باعتباره التهديد الاستراتيجي الأكبر في المنطقة، وسعوا لسنوات إلى منع طهران من التحول إلى قوة نووية في الشرق الأوسط.
لكن الحرب الحالية كشفت أن التهديد لا يقف عند هذا الحد، فالهجمات بالصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة التي استهدفت دول الخليج نقلت المعادلة الأمنية إلى مستوى مختلف تماماً، إذ لم يعد الخطر الصاروخي الإيراني احتمالاً نظرياً يناقش في التقارير والتحليلات، بل أصبح واقعاً أمنياً مباشراً فرض نفسه على حسابات الأمن الوطني في الخليج.
وهنا تحديداً حدث التحول الأهم في معادلة الأمن الإقليمي، فبعد هذه الهجمات لم يعد من السهل تصور عودة الأمور إلى ما كانت عليه قبل الحرب؛ لأن دول الخليج لن تقبل بعد اليوم بعودة إيران إلى المشهد الإقليمي وهي تحتفظ بالقدرة نفسها على تهديد استقرار المنطقة عبر منظومة صاروخية متقدمة.
ولفهم عمق هذه اللحظة، لا بد من العودة إلى جذور المشهد، فمنذ قيام الثورة الإيرانية عام 1979، عاش الشرق الأوسط تحت تأثير مشروع إقليمي توسع عبر أدوات متعددة، وترك بصماته الثقيلة على عدد من الساحات العربية. من لبنان إلى سوريا، ومن العراق إلى اليمن، دفعت المنطقة أثماناً باهظة من أمنها واستقرارها وتنميتها نتيجة هذا الصراع الممتد.
لكن ما يحدث اليوم قد يمثل نقطة تحول في هذا المسار الطويل، فالهجمات التي طالت الخليج لم تغيّر فقط قواعد الاشتباك العسكري، بل رفعت أيضاً سقف القبول الإقليمي والدولي لما يمكن أن تخرج به إيران من هذه المواجهة.
وهنا يبرز الاستنتاج الاستراتيجي الأهم في المشهد كله:
إيران لن تخرج من هذه الحرب كما دخلتها، فالسيناريو الأكثر ترجيحاً لا يتمثل بالضرورة في سقوط النظام الإيراني أو انهياره الكامل، بل في خروج إيران من هذه المواجهة أضعف بكثير مما كانت عليه، وأقل قدرة على مواصلة طموحاتها الإقليمية السابقة، خصوصاً فيما يتعلق ببرنامجها النووي ومنظومتها الصاروخية.
وإذا تحقق هذا المسار، فإن الشرق الأوسط قد يدخل مرحلة مختلفة نسبياً، تتراجع فيها مستويات التهديد العسكري المباشر، وتتسع فيها فرص الاستقرار الاقتصادي والسياسي، خصوصاً للدول التي بنت نماذجها على التنمية والمؤسسات والقدرة على التكيف مع التحولات الكبرى.
فالحروب لا تعيد توزيع القوة بين الدول فحسب، بل تعيد توزيع الفرص أيضاً. وكلما تراجعت مصادر التهديد المزمن، ازدادت قدرة الدول المستقرة على التقدم الاقتصادي، وجذب الاستثمار، وتعزيز حضورها في الإقليم والعالم.
غير أن قراءة هذه التحولات لا تكتمل من دون النظر إلى حسابات القوى الكبرى، فالشرق الأوسط لم يكن يوماً ساحة صراع إقليمي فقط، بل ظل دائماً جزءاً من معادلة التوازنات الدولية. ومن هذا المنظور قد ترى الولايات المتحدة في إضعاف إيران نتيجة استراتيجية تعيد ترسيخ نفوذها الأمني في الخليج، أحد أهم الأقاليم الحيوية في العالم من حيث الطاقة والممرات البحرية والتجارة الدولية.
كما أن هذه المعادلة ترتبط أيضاً بالصراع العالمي الأوسع بين واشنطن وبكين، فمع تصاعد المنافسة بين القوتين على النفوذ الدولي، يزداد الخليج أهمية باعتباره شرياناً رئيسياً للطاقة ومفصلاً محورياً في التجارة العالمية.
وفي مثل هذه اللحظات التاريخية تظهر الفوارق الحقيقية بين نماذج الدول، فالدول التي بنت نفوذها على التوسع والصراع وخلق بؤر التوتر تجد نفسها أكثر عرضة للاهتزاز عندما تتغير موازين القوة. أما الدول التي بنت قوتها على الاستقرار والتنمية والمؤسسات، فإنها تكون الأقدر على عبور العواصف وتحويل التحولات الكبرى إلى فرص استراتيجية.
ومن هذا المنظور يمكن فهم الدلالة الأعمق لكلمات صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، حين أكد أن «دولة الإمارات ستخرج من هذه المحنة أقوى مما كانت عليه».
فهذه العبارة لا تعكس مجرد رسالة طمأنة، بل تعبّر عن فلسفة دولة تدرك طبيعة التحولات الكبرى وكيفية التعامل معها، فالقوة في رؤية الإمارات لا تُبنى على ردود الفعل والانفعال، بل على الثبات والاستعداد، ولا على الضجيج السياسي، بل على الجاهزية الاستراتيجية، ولا على إدارة الصراعات، بل على صلابة النموذج الوطني القائم على الاستقرار والتنمية وبناء الإنسان.
لقد اختارت الإمارات منذ تأسيسها أن تبني مشروعها على الاستقرار والعمل والازدهار، وأن تجعل من التنمية أساساً للقوة، ومن بناء الإنسان معياراً للتقدم، ومن وضوح الرؤية مصدر الثقة في المستقبل.
لكن السؤال الحقيقي الذي يفرض نفسه اليوم لا يتعلق فقط بنتائج هذه الحرب، بل بما سيأتي بعدها.
أم أن المنطقة مقبلة على مرحلة جديدة من إعادة توزيع النفوذ والقوة؟
وهل تكون هذه الحرب نهاية فصل طويل من الصراعات الإقليمية، أم مجرد بداية لمرحلة مختلفة من التنافس؟
الإجابة لم تتضح بعد، لكن المؤكد أن ما بعد هذه الحرب لن يشبه ما قبلها، فالحروب قد تغيّر الخرائط، لكن ما يصنع المستقبل حقاً هو قدرة الدول على قراءة التحولات قبل أن تقع، وبناء قوتها على الاستقرار، لا على الصراع.
الرجاء الانتظار ...