ماذا يريد الولي الفقيه؟

علي عبيد الهاملي

في كل مرة يتم الكشف فيها عن خلية إرهابية مرتبطة بإيران في دولة من دول مجلس التعاون الخليجي، يوقظ الخبر أسئلة من ذلك النوع الذي لا يمكن القفز عليه أو تجاوزه. أول هذه الأسئلة وأشدها إلحاحاً هو: ماذا يريد الولي الفقيه من هذه المنطقة التي اختارت طريقاً مختلفاً، يقوم على البناء لا الهدم، وعلى الحياة لا الموت؟ هل يريد أن يعيد تشكيل هذه الدول على صورته؟ أن تتحول من دول طبيعية تسعى إلى التنمية والاستقرار، إلى نسخ مشوهة من تجربة قامت على تصدير الأزمات عوضاً عن حلها؟
منذ ما يقارب نصف قرن تغير وجه إيران ليس فقط في داخلها وإنما في نظرتها إلى محيطها.. تحولت من دولة إلى مشروع، ومن جار إلى وصي، ومن شريك محتمل إلى مصدر قلق دائم.. هنا، يصبح السؤال الأكثر وضوحاً هو:
هل المطلوب أن تترك هذه الدول مسارها التنموي، وتدخل في سباق تسلح عبثي، وتحول ثرواتها من بناء الإنسان إلى تهديده؟
دول الخليج العربية لم تبنِ مدنها لتكون منصات صواريخ، وإنما منصات حياة، ولم تفتح أبوابها لمئات الجنسيات كي تعلمها الخوف، وإنما لتؤكد أن التعايش ليس شعاراً، ولكنه تجربة يومية تعاش. ثم ماذا بعد؟ هل المطلوب أن تستنسخ في هذه الدول تجارب الميليشيات التي مزقت دولاً عربية وسلبت قرارها ووضعتها في حروب لا تنتهي؟
التجربة واضحة لمن يريد أن يرى، فحيثما حضرت الميليشيا غابت الدولة، وحيثما ارتفع صوت السلاح خفت صوت العقل، فهل هذا هو النموذج الذي يراد تصديره؟ وهل المطلوب أن تزرع الطائفية في مجتمعات لم تعرفها بهذا الشكل البغيض؟ أن يعاد تقسيم الناس إلى مراتب ومقامات، هؤلاء أشرف الناس، وهؤلاء أقل شرفاً، وهذه طائفة كريمة، وتلك طوائف لا تصنيف لها؟ المجتمعات الخليجية لم تُبنَ على هذا الأساس، وإنما على فكرة المواطنة التي تتسع للجميع، وتحفظ الكرامة للجميع، دون تصنيفات تهين الإنسان أو تفرق بين طائفة وطائفة.
ثم هناك سؤال أكثر خطورة: هل المطلوب أن ينقلب الناس على دولهم؟ أن تستبدل الفوضى بالاستقرار، والشك بالثقة، والصراع المفتعل بالعلاقة الطبيعية بين الحاكم والمواطن؟ هذه الدول لم تحكم بالجبر والقوة، وإنما بعقد اجتماعي واضح، أساسه الثقة المتبادلة، والإنجاز الذي يراه المواطن في حياته اليومية، لا في الشعارات الجوفاء.
إن أكثر الصور قسوة هي تلك التي نراها في دول سقطت في قبضة هذه المشاريع.. دول غنية بثرواتها، فقيرة في واقعها، شعوبها تعيش بلا كهرباء ولا ماء، رغم أن تحت أقدامها ما يكفي لإنارة قارات بأكملها.. فهل هذا هو المصير الذي يراد تعميمه؟ وهل المطلوب أن يتحول الإنسان في هذه المنطقة إلى كائن يعيش تحت الأرض، يخزن خوفه قبل طعامه، ويحسب حساب الصاروخ قبل أن يحسب حساب الغد؟
شعوب هذه المنطقة اختارت أن تعيش فوق الأرض تحت الشمس في مدن مفتوحة على العالم، لا في أنفاق مغلقة على القلق.. ثم ماذا عن الصورة الأكبر؟ هل المطلوب أن توصم هذه الدول بالإرهاب، وأن تلاحق في العالم، وتجمد أموالها، وتُغلق أبوابها؟ العالم اليوم لا يرحم من يختار طريق العزلة والصدام، والتجارب أمامنا لمن يريد أن يتعلم.
كل هذه الأسئلة لا تحتاج إلى إجابات بقدر ما تحتاج إلى موقف.. والموقف هنا واضح لا لبس فيه.. نحن شعوب اختارت الحياة، اختارت أن تبني لا أن تهدم، أن تتعايش لا أن تتناحر، أن تستثمر في الإنسان لا في أدوات قتله.. نحن مع وحدة الساحات، نعم، ولكن ساحات الإعمار، لا ساحات الدمار.. نحن مع المقاومة، ولكن مقاومة الجهل والتخلف، لا مقاومة تستخدم شعاراً لتبرير الفوضى وربط المصير بمشاريع خارجية.
الرسالة التي يجب أن تصل بوضوح هي أن لكل مشروع حداً، ولكل طموح سقفاً.. هذه المنطقة ليست فراغاً يمكن ملؤه، ولا ساحة يمكن العبث بها.. هي دول راسخة، وشعوب واعية، وتجارب ناجحة لا تبحث عن وصاية.. أما تلك الخلايا التي تزرع في الظلام، فإن مصيرها واحد، وهو أن تنكشف، وتسقط، خلية بعد أخرى. ماذا يريد الولي الفقيه من شعوب اختارت الحياة، وتركت الموت لأسرى الروايات والملاحم الأسطورية؟



شريط الأخبار