د. محمد النغيمش
من مفارقات الأزمات الكبرى والحروب، أن الناس تعود بقوة إلى نشاطها المعتاد بشتى أشكاله بعد زوال الغمة. صحيح أن البعض يقتصر في إنفاقه في الأزمات على الضروريات، لكن ما إن تهدأ الأمور، حتى يعود الناس بسلوكيات عديدة لتعويض ما فاتها منها «الإنفاق الانتقامي». وهو أن يندفع الأفراد إلى زيادة إنفاقهم بصورة ملحوظة، لتعويض فترات الحرمان، فيقبلون على التسوق والترفيه بوتيرة أسرع من المعتاد، وقد حدث ذلك في حقبة جائحة كورونا عام 2020.
ليس هذا فحسب، بل إن جائحة كورونا التي شلت مطارات العالم بشكل غير مسبوق في التاريخ، وأثرت في كل مدينة وقرية، إلا أنه وفق التقارير الدولية، فقد تعافى الاقتصاد العالمي بنمو غير متوقع، وفي فترة قياسية.
أسواق المال سبقت الاقتصادات، ففي بداية الأزمة، هبط مؤشر ستاندرز أند بورز لنحو الثلث، ثم عاد ليحقق مكاسب قياسية مضاعفة، عوضت ما سبق. هذا السلوك يعكس عودة الثقة قبل اكتمال التعافي الفعلي.
في أوروبا لم يقتصر التعافي على أسواق المال، بل ظهر جلياً في مناحٍ أخرى. إذ سجلت السياحة الأوروبية ارتفاعاً في ليالي الإقامة، بلغ 2.9 مليار في عام 2023، أي بزيادة 6.1 في المئة عما قبل كورونا، الذي لم يتجاوز 1.4 في المئة، وفق ما قرأته على موقع المكتب الإحصائي للاتحاد الأوروبي (يوروستات).
وهناك أيضاً جانب نفسي، وهو أن الإنسان حين يُمنع من شيء يبدأ بالحنين إليه. كان ذلك خلاصة نقاش جمعني مع ثلة من المثقفين في الكويت، كنا نتحدث عن رغبة كل منهم في السفر، مع أن جلهم لم يكن يخطط للسفر أصلاً قبل حرب إيران الأخيرة.
هناك سلوك فطري يدعو إلى البهجة والإنفاق والعودة إلى مباهج الحياة، وهذه روعة تكوين النفس البشرية. من هنا نفهم لماذا تحرص البلدان على فتح مطاراتها، ودعم الشركات والمصارف والأفراد بانتظام دفع رواتبهم حتى تتدفق الأموال في شرايين الاقتصاد، وتبدأ وتيرة الانتعاش بالعودة إلى مستويات أعلى مما سبق.
حتى منطقة الشرق الأوسط، شهدت عقب حقبة كورونا بوادر تعافي اقتصادات النفط، حيث أدى ارتفاع أسعار الطاقة بعد الجائحة إلى تحسن كبير في الإيرادات الحكومية، الأمر الذي انعكس على الإنفاق والاستثمار، وساهم في تسارع النمو في دول خليجية عديدة خلال عامي 2022 و2023.
أما المثال التاريخي الأبرز، فهو اليابان بعد الحرب العالمية الثانية. هي باختصار دولة قامت من ركام الحرب مدمّرة بالكامل تقريباً، لكنها استعادت مستوى إنتاجها الصناعي قبل الحرب خلال سنوات قليلة، ثم دخلت في مرحلة نمو متسارع، تجاوز 10 في المئة سنوياً في الخمسينيات، ووصل إلى أكثر من 13 في المئة لاحقاً، لتتحول من اقتصاد منهك، إلى ثالث أكبر اقتصاد في العالم آنذاك.
في تقرير ماكينزي، كشف نحو نصف المستهلكين الأمريكيين (51 %) بعد الجائحة، عن رغبتهم الواضحة في «تدليل أنفسهم والإنفاق»، خصوصاً على مجالات السفر، والمطاعم، والملابس، والفعاليات عموماً. قرأت أن الإنفاق على الشراء عبر الإنترنت ارتفع بنسبة 20 في المئة منذ يناير 2020. وهذا مؤشر على أن الإنسان يبحث عن طرق بديلة ومعاصرة للإنفاق والتمتع، حتى في الأزمات.
الأزمات فرصة كذلك لحدوث ما يطلق عليه مجازاً «تنظيف السوق». لا أحبذ هذا المصطلح، ولكنه يشير إلى أن بعض الشركات التي لم تكن تعمل بأصول التجارة، بدأت تخرج من دائرة المنافسة، وتبقى الشركات الأقوى.
خلاصة الأمر، أن دوام الحال من المحال، وأن عودة الناس إلى طبيعة حياتهم قادمة لا محالة، يبرر ذلك عوامل تاريخية اقتصادية، فضلاً عن الطلب المكبوت، والتسوق الانتقامي، وانتعاش الاستثمارات، فضلاً عن انخفاض مستويات «عدم اليقين».
الرجاء الانتظار ...