والعودُ أحمدُ ..

منى خليفة الحمودي


لم يغفُ الهدوء يوماً وسط حاراتنا الممتلئة بالضجيج والفرح، لا سيما في أول يوم دراسي، فرائحة الفطور العابرة للطرقات والمنازل المتراصة، وثرثرة صبيان الحارة وهم ينتظرون الحافلة، التي كان هدير محركها منبهاً جيداً للتأهب قبل ميعاد وصولها، وتباهي الفتيات بحقائبهن العصرية، ورائحة الأرض والنباتات الممتلئة بالندى، طقوس مألوفة منذ اليوم الأول، وحتى تطوي السنة سجلها، كان كالإيذان ببدء رحلة مختلفة، حياة جديدة، لم تتوقف وتَرْكن على نواصي البيوت والحارات، إنما كانت تكمل رحلتها بالأصوات الهاربة من الطابور الصباحي في كل حدب وصوب، و«عيشي بلادي.. عاش اتحاد إماراتنا»، التي يتغنى به الطلبة لِتَدلُف البيوت، فتُطرب الأمهات في ميعاد قهوتهن الصباحية مع الجارات والأحبة!
هذا الصباح الإماراتي، بتفاصيله الصغيرة التي تسكن الذاكرة، يظل هو الحقيقة الثابتة، التي نستند إليها كلما واجهنا تحدياً جديداً، وهو التأكيد الحي على أن الحياة في إماراتنا تمضي بيقين وثبات، مهما بلغت الظروف ذروتها، وهو ما تجسد هذا الأسبوع بالعودة الميمونة لطلابنا إلى أفياء العلم والمعرفة في المدارس والجامعات، فرغم ما فرضته الأزمة الأخيرة من واقع استثنائي، لم تكن الإمارات إلا في قمة جاهزيتها، تدير المشهد بحكمة هادئة وبصيرة نافذة، لتثبت للعالم أجمع أن سلامة الإنسان ومستقبل الأجيال هما البوصلة التي توجه كل قرار، والغاية التي تذلل من أجلها كل الصعاب.
لقد رأينا في تلك الفترة كيف تتحول التحديات إلى فرص للتمكين، وكيف يغدو العلم شعلة تضاء في كل بيت عبر فضاءات التقنية، في مشهد يجسد حيوية وطن لم يعرف التوقف يوماً، لم تكن المدارس بعيدة، بل انتقل ضجيجها الجميل وأصوات طلبتها إلى قلب كل منزل، في ملحمة وطنية، أثبتت أن مسيرة الإمارات نابضة بالحياة في كل الظروف، وأن بناء الإنسان هو الرهان الرابح، الذي تراهن عليه قيادتنا في كل ميدان، وكانت تلك الأيام برهاناً ساطعاً على قوة البنية التحتية الرقمية، وكفاءة الكوادر التعليمية والإدارية، التي أدارت الأزمة باحترافية عالية، وجعلت من «التعلم عن بُعد» جسراً آمناً ومستمراً نحو المستقبل، دون أن تفقد المسيرة التعليمية زخمها أو بريقها.
ومع بداية هذا الأسبوع الاستثنائي استيقظت الحارات مجدداً على نداء الحنين، وعادت الحافلات لتجوب الطرقات، معلنة العودة المظفرة للتعليم الحضوري، في مشهد تملؤه البهجة والاحتفاء الوطني بعودة العقول المفكرة وعلماء الغد إلى أحضان المدارس ومختبرات الفكر، «فخورين بالإمارات» ترددها الهمم النابضة بأعلى صوت وهي تمضي في صفوف منتظمة إلى حلم قصي، على مقاعد متراصة، وأقلام رصاص تدون عناوين العزيمة بين سطور الإدارة، ورائحة الكتب الدراسية والدفاتر، كانت كالحلم الذي بقي بين تلافيف الذاكرة، ورأيته واستشعرته من جديد، وأنا أرى طلبة الإمارات يعودون بفرح إلى المدارس، يحتضنون أحلامهم، ويصافحون التحدي بابتسامة الواثق، مؤمنين بأنهم سيكسبون الرهان دائماً، مدعومين بوطن لا يعرف المستحيل.
هذه العودة الميمونة للتعليم الحضوري تحمل في طياتها رسائل فخر واعتزاز، تتجاوز حدود المقاعد والسبورات؛ فهي تجسيد لروح الصمود، التي تسكن كل إماراتي، وهي الاحتفاء الحقيقي ببيئة المدرسة، التي تظل المنهل العذب ومركز النظام، والأرض الخصبة التي تنبت فيها الإرادة والإلهام، فحضور المعلم الملهم في قلب الصف، وهو يحيي ويشجع ويعطي بحب، يعيد صياغة الوجدان، ويمنح الطلبة تلك الطاقة التي تعانق الفضاء، وتمكن المواهب الدفينة من الظهور، لتكون عتبة الوصول الأولى نحو أحلامهم الكبيرة، التي لا تحدها حدود.
إن ما نعيشه اليوم من أمان واستقرار، وما نراه من دقة في الإجراءات الاحترازية التي رافقت عودة أبنائنا، هو ثمرة غرس طيب، وحرص عميق من دولتنا الغالية على إعداد جيل صلب، قادر على مواجهة الصعاب بكل بسالة، جيل يدرك أن رفعة الوطن تتحقق بالعلم والعمل، وأن التحديات مهما عظمت، تظل مجرد محطات لتقوية العزائم وشحذ الهمم.
لقد أثبتت الإمارات للعالم أجمع أنها تمتلك مفاتيح المستقبل، وأنها تجيد فن امتلاك الفرص وتجاوز العقبات، برؤية تستبق الزمن، وبقلب ينبض بحب كل من يعيش على هذه الأرض الطيبة، ليبقى اسم الإمارات عالياً، وتظل مدارسنا وجامعاتنا منارات للعز، إنها حكاية وطن، وقصة وفاء، ورحلة إرادة تتجدد مع كل صباح، لتقول للعالم: هنا الإمارات، هنا يصنع المستقبل، هنا يزهر الأمل في قلوب لا تعرف إلا المركز الأول..
وهكذا عُدنا.. والعودُ أحمدُ..



شريط الأخبار