نوفر رمول
أعلن جهاز أمن الدولة في الإمارات، هذا الأسبوع، عن تفكيك تنظيم إرهابي والقبض على عناصره لتورطهم في التخطيط لأعمال تخريبية، كشفت التحقيقات ارتباطه بمنظومة ولاية الفقيه في إيران.
جاء ذلك بعد أسابيع من تفكيك شبكة أخرى ممولة من حزب الله وإيران كانت تعمل تحت غطاء تجاري مزيّف لاختراق الاقتصاد الوطني وغسل الأموال.
عمليتان أمنيتان في أقل من شهر تكشفان أن الحرب الإيرانية على الإمارات كانت تسير على ثلاث جبهات متوازية: صواريخ ومسيّرات من السماء، وسرديات مضللة عبر الشاشات، وخلايا مزروعة في عمق المجتمع.
ولاية الفقيه التي صاغها الخميني في محاضراته بالنجف عام 1970، ثم كرّسها في المادة الخامسة من الدستور الإيراني عام 1979، أسّسها على فكرة مركزية: أن الفقيه الحاكم في طهران يملك ولاية شرعية تمتد إلى كل مسلم شيعي في أي بقعة من العالم، وأن هذه الولاية تتقدم على الانتماء للدولة التي يعيش فيها المواطن ويحمل جنسيتها وتربطه بها حقوق ومسؤوليات، هذا المفهوم حوّل عقيدة دينية إلى أداة جيوسياسية تعمل بمنطق الاختراق من الداخل، فالخلايا التي تُزرع في دول الخليج وأمريكا اللاتينية وأوروبا وأفريقيا، تتلقى توجيهاتها وتمويلها من طهران وتعمل وفق أجندتها، بصرف النظر عن قوانين الدول المضيفة وسيادتها.
المشروع تجاوز كونه أمراً عقائدياً، وأصبح منظومة عابرة للقارات تمزج بين التجنيد العقائدي والتمويل السري والنشاط الاقتصادي الموازي وتفتيت الولاءات الوطنية من الداخل، وهو ما يجعله تهديداً أمنياً وجودياً لكل دولة تقوم على مبدأ المواطنة والسيادة الوطنية.
هذه المنظومة ترجمت نفسها ميدانياً عبر سلسلة من العمليات الإرهابية والإجرامية امتدت عبر القارات على مدى ثلاثة عقود، من تفجير بوينس آيرس عام 1994، إلى تفجير بورغاس في بلغاريا عام 2012، ومن عواصم أوروبية اكتشفت فيها مخازن متفجرات إلى منطقة الحدود الثلاثية بين الأرجنتين والبرازيل والباراغواي، حيث تدير شبكات إيرانية عمليات تهريب مخدرات وألماس وتزوير وثائق.
شهادات أمام الكونغرس الأمريكي أكدت أن إيران أنفقت أكثر من عشرين مليار دولار على وكلائها في المنطقة منذ عام 2012، وتقارير استخباراتية غربية نُشرت في أبريل 2026 تشير إلى أن التحويلات لحزب الله وحده اقتربت من مليار دولار منذ مطلع 2025 عبر شركات واجهة وآليات مصرفية ظلّية.
دول الخليج واجهت هذا الاختراق بكفاءة لافتة خلال أسابيع الأزمة، الكويت فكّكت ثلاث شبكات إرهابية مرتبطة بحزب الله خلال أقل من عشرة أيام، ضمّت ستة وأربعين عنصراً، بينهم من اعترفوا بتلقّي تدريبات في معسكرات حزب الله على استخدام الأسلحة والمسيّرات ورصد إحداثيات منشآت حيوية لصالح جهات خارجية.
البحرين، وخلال نفس الفترة، فكّكت خلايا مرتبطة بالحرس الثوري، وأحالت أربعة عشر متهماً إلى المحاكمة بتهمة التجسس، والإمارات اقتلعت شبكتين منفصلتين، واحدة مالية تعمل من خلال شركات وهمية، وأخرى عقائدية تخطط لعمليات تخريبية منسّقة مع جهات خارجية.
الدول التي تظن أن هذه الحرب شأن خليجي تتجاهل أن عناصر ولاية الفقيه يعيشون داخل مجتمعاتها، ويتآمرون عليها بتوجيه من خارج حدودها.
فنزويلا وقّعت اتفاقية تعاون استراتيجي مع إيران لعشرين عاماً، وأصبحت منصة لعمليات حزب الله المالية في القارة، وأوروبا تأخرت عقوداً في تصنيف حزب الله تنظيماً إرهابياً بالكامل، وسمحت لجناحه السياسي بجمع التبرعات على أراضيها، ودول عربية وإسلامية تعمل فيها هذه الشبكات تحت غطاء أعمال خيرية وتجارية وثقافية.
مشروع ولاية الفقيه يستهدف كل دولة فيها جالية يمكن تجنيدها، أو اقتصاد يمكن اختراقه، أو مجتمع يمكن شقّه، وغياب الصواريخ عن سماء عاصمة ما، يعني أن الجبهة هناك نائمة بانتظار الإشارة.
الإمارات واجهت العدوان الإيراني الثلاثي بأدوات متكاملة، منظومة دفاع جوي اعترضت أكثر من ستة وتسعين بالمئة من الصواريخ والمسيّرات، ومنظومة اتصالية فنّدت السرديات المضللة، وجهاز أمني اقتلع الشبكات قبل أن تنفّذ مخططاتها.
الدكتور علي راشد النعيمي، رئيس لجنة شؤون الدفاع والداخلية والخارجية في المجلس الوطني الاتحادي، وضع الإطار الأدق لهذه المواجهة في جلسة نظّمها نادي دبي للصحافة، حين قال إن التعاطي مع هذه الخلايا ينبغي أن يكون في إطار «خيانة الوطن» من دون ربطه بدين أو طائفة أو مذهب، وإن الإمارات دولة قانون، ومن يحترم القانون يُوضع على الرؤوس، ومن يخن الوطن يجد قوة ردع وحزم وعقاب وفق القانون.
جملة تختصر فلسفة دولة بأكملها وتضع حدّاً فاصلاً واضحاً: المواطنة هي الرابطة الأعلى، ومن يضع ولاءه خارج حدودها يضع نفسه خارج حمايتها.
الرجاء الانتظار ...