المضايق حولنا ثلاثة .. أحدها وراءه قصة

سليمان جودة

يقول أهل الطب إن الإنسان عموماً لا يشعر بوجود أي عضو في جسده إلا إذا أصاب هذا العضو عارض من مرض، فعندها يتحسس الإنسان يده مثلاً إذا أصابها عارض من ألم.
وما يقال عن أعضاء الجسد الإنساني بهذا المعنى، يمكن أن يقال عما يعوق الحركة على ظهر كوكب الأرض، وقد تبين ذلك على أوضح ما يكون حين جرى إعاقة الحركة في مضيق باب المندب أيام الحرب على الفلسطينيين في قطاع غزة.
وقتها تنبه العالم، وبدا وكأنه يتنبه للمرة الأولى، إلى أن على ظهر الأرض مضيقاً اسمه باب المندب، وأنه يربط المحيط الهندي بالبحر الأحمر مروراً بخليج عدن، وأن التجارة العالمية تمر من خلاله بنسبة كذا، وأن تعطل الحركة فيه يؤدي إلى ارتباك في حركة التجارة عالمياً، وأن هذا المضيق، الذي لا يكاد يظهر على خريطة العالم، مهم للغاية، وأن أهميته هذه لا تبدو إلا في وقت الأزمات.
وما يقال عن مضيق باب المندب يمكن أن يقال بالدرجة نفسها عن مضيق هرمز، وعما يجري بشأنه منذ أن اشتعلت الحرب بين الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل وبين إيران في الثامن والعشرين من فبراير الماضي، إلى أن دخلت هدنة مؤقتة في الثامن من هذا الشهر لأسبوعين.
ما إن اشتعلت الحرب في حينها، حتى صار اسم المضيق على كل لسان، ولم يعد بيننا أحد لا يسمع به في اليوم الواحد مرات ومرات، وانتشرت الفيديوهات والمقالات عنه في كل أرجاء مواقع التواصل الاجتماعي، ومن قبل كنت تستطيع أن ترصد جائزة لم يعرف أين موقعه على الخريطة فلا يفوز بها أحد، فلقد كان اسمه يُذكر بالكاد هنا مرة أو هناك مرة أخرى.
فإذا تصورنا أن الأرض مثل جسد الإنسان، وأن المضايق المنتشرة على سطحها أعضاء في جسدها، فإن مضيق باب المندب بقي عضواً سليماً من المرض في جسدها، إلا أن طرأت الحرب على الفلسطينيين في القطاع، فأحست الأرض، إذا جاز لها أن تحس، بأن عضواً من بين أعضائها قد أصابه عارض، وأنه يؤلمها، فلما توقفت الحرب على القطاع انحسر التهديد عن المضيق، وعادت الحركة فيه طبيعية تقريباً كما كانت.
ومن بعد مضيق باب المندب، بقي مضيق هرمز في انتظار أن يبرأ من العارض الذي أصابه مع بدء حرب الثامن والعشرين من فبراير، وقد جرى الإعلان عن فتح حركة الملاحة فيه قبل أن يعاد إغلاقه، وحدث ذلك بعد أن راح العالم ينتظر أن يبرأ هرمز كعضو في جسد الأرض، من العارض الذي طرأ عليه حين قامت الحرب. وبانتظار الإعلان عن فتح الطريق أمام حركة الملاحة التجارية فيه، تكون الحرب وضعت أوزارها بحرياً، بعد أن كانت قد وضعت أوزارها برياً في وقت سابق، وسوف يستيقظ العالم عما قريب ليجد أن الحياه الطبيعية قد عادت إلى مسارها الذي عاش الناس يعرفونه قبل أن تكون هناك حرب.
وربما يغار جبل طارق من المضيقين معاً، إذا أخذنا العلاقة بين المضايق الثلاثة بمنطق العلاقة بين الأعضاء في جسد الإنسان. فلقد امتلأ الإعلام بحديث مضيق باب المندب أولاً، ثم مصيق هرمز، ثم توازى الحديث عنهما عندما هددت جماعة الحوثي باعتراض حركة الملاحة البحرية في باب المندب مع اشتداد حرب إيران. وهكذا دخل المضيقان فيما يشبه السباق على مستوى التواجد في الإعلام، ثم على مستوى ترديد اسميهما في كل وسيلة إعلامية، ولكن بقي مضيق جبل طارق بعيداً عن هذا كله، وكأنه لا وجود له على الخريطة، أو كأنه لا وجود له باعتباره عضواً في جسد الأرض المرسوم على كل خريطة.
وكان هذا مما يؤكد صواب النظرية التي تقول إن الإحساس بوجود عضو الجسد الإنساني لا يحضر إلا إذا أصابه طارئ أو عارض.
إن مضيق جبل طارق لا يقل حيوية عن باب المندب، ولا عن هرمز، ومن حيث الاسم فإنه لا يزال يحمل اسم البطل طارق بن زياد الذي كان قد عبره مع جنوده من المغرب في جنوبه إلى الأندلس في شماله، ومن يومها عاش المضيق يحمل اسم ذلك البطل العربي الشهير، بل إنه ارتبط بعبارة أخرى أطلقها طارق بن زياد في جنوده، عندما وجدوا أنفسهم أمام العدو حين عبروا من الجنوب للشمال.
كان طارق بن زياد قد واجه جنود الجيش فقال: العدو من أمامكم والبحر من خلفكم. وقد كان القصد أنه لا مفر من التقدم، وأن الانتصار عن العدو لا بديل عنه، وأنه لا توجد أي مساحة للتراجع، ولا للهرب، ولا للفرار.
وربما كانت عبارة طارق بن زياد التي حفزت الجيش، هي التي أسست للوجود العربي في الأندلس طوال ثمانية قرون كاملة، لأن لنا أن نتخيل الحال لو أن جيش طارق بن زياد قد عاد أدراجه، أو استصعب الأمر، أو وجد أن السلامة في العودة من حيث أتى.
وهكذا، فإن حديث المضايق قد أخذنا إلى قصة مضيق جبل طارق الذي يربط المحيط الأطلسي بالبحر المتوسط، وهناك لا تزال نقطة التقاء البحر بالمحيط من عجائب الطبيعية التي يتوقف أمامها الزائر ثم يطيل النظر.



شريط الأخبار