نخلة البلاد المباركة

أ.د. محمّد عبد الرّحيم سلطان العلماء
الإمارات هي بلد النخيل الأكثر امتيازاً بين دول الخليج، وهي شجرة البلاد المباركة قبل أن تظهر نعمة الله على البلاد بثروة النفط، التي لم تستطع أن تزحزح هذه الشجرة الرمز عن مكانتها العميقة في وجدان القيادة والشعب، وتعبيراً عن الأهميّة الكبرى لهذه الشجرة فازت أبوظبي بلقب «عاصمة النخيل» الّتي بناها بإرادةٍ ووعيٍ وتصميمٍ مؤسّس هذه الدولة الميمونة المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، والّذي غرس في أبوظبي وحدها ثلاثة وثلاثين مليون شجرة تُشكِّلُ جزءاً من الهويّة الوطنيّة للدولة والإنسان، وتنتج أكثر من 73 نوعاً من أجود أنواع التمور في العالم، وزادت عناية الدولة بهذه الشجرة حتى وصل العدد إلى 44 مليون شجرة دخلت بها الإمارات موسوعة غينيس بأكبر عدد أشجار نخيل في العالم، فكانت هذه الشجرة هي روح الصّحراء الّتي وجد فيها البدوي كلّ ما يحتاجه من الغذاء والمأوى وغير ذلك من مستلزمات الحياة.
لقد جاء في الحديث الصحيح الّذي يرويه الإمام مسلم رحمه الله من حديث أمّ المؤمنين سيّدتنا عائشة رضي الله عنها أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «بيتٌ لا تمرَ فيه جِياعٌ أهله» في إشارة منه صلوات ربي وسلامه عليه إلى أنّ الحدّ الأدنى للقوت الذي يفصل بين الجوع والشبَع هو وجود التمر الّذي هو واحد من الأغذية البسيطة المنتشرة في كثير من بلدان العالم، ولكن قد تأتي ظروف وأحوال على البشر يبحثون فيها عن التمر فلا يجدونه لشدّة الكرب وقسوة الظروف وهو ما نراه بأمّ أعيننا في كثير من بلدان العالم الفقيرة الّتي يتضوّر فيها الملايين جوعاً ويواجهون الموت بالأمعاء الخاوية بسبب غفلة الأغنياء والمقتدرين عن حقوق هذه الأكباد الجائعة والّتي تنتظر بلهفة من يمُدُّ لها يد العون والمساعدة بتوفير الحدّ الأدنى من الطعام الّذي يكفل البقاء على قيد الحياة.
استلهاماً من هذا الحديث الشريف، وتحقّقاً بمعنى الشكر لله تعالى على هذه النِّعم السابغة على الوطن وأهله، وتعبيراً عن الإنسانيّة الصادقة تواصل مبادرات محمّد بن راشد العالميّة عملها الدؤوب في سبيل تجفيف منابع الجوع والمسغبة في هذه الصحارى القاحلة، وتبتكر الوسيلة تلو الوسيلة، وتُدشِّنُ المشروع إثر المشروع في سبيل مساعدة هذه الفئات المحرومة الّتي لا يكاد يسمع صوتها وأنينها أحدٌ ولا سيّما من الفئات الّتي تعاني من التُّخمة المالية، وتقف متفرّجة على هذه المآسي الّتي يندى لها جبين الإنسانية.
في هذا السّياق من الاهتمام بالتخفيف من أوجاع الإنسان، أعلن صاحب السمو الشيخ محمّد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة، رئيس مجلس الوزراء، حاكم دبي، رعاه الله، عن مبادرةٍ جديدة من مبادرات محمّد بن راشد العالميّة بالتعاون مع الشركاء لبناء أكبر مصنع وقفيٍّ لإنتاج التمور في العالم يكون مخصّصاً لإغاثة تلك الأرواح الهائمة على وجهها وهي تبحث عن لقمة طعام، ونشر تغريدة جميلة المحتوى على حساباته في مواقع التواصل الاجتماعي قال فيها: «بدأت مبادرات محمّد بن راشد بالتعاون مع الشركاء العمل على أكبر مصنع وقفيٍّ للتمور في العالم، الهدف إنتاج 150 مليون وحدة غذائية مدعّمة بالتمر سنويّاً مخصّصة للأطفال الّذين يعانون من سوء التغذية ولمكافحة الجوع في المجتمعات الأقلّ حظّاً» فهذه المبادرة الجديدة المباركة هي حلقة في سلسلة متلاحمة الحلقات من المبادرات الخيرية الّتي تنهض بها مؤسسة مبادرات محمّد بن راشد آل مكتوم العالميّة والّتي قدمت للإنسانيّة الكثير الطيّب من المشاريع والمبادرات الّتي تنضّر الوجه وتُسهم إسهاماً فاعلاً في تحقيق الأهداف المتمثّلة في القضاء على مأساة الجوع وسوء التغذية، ولعلّ المبادرات السنويّة الّتي يستقبل بها صاحب السموّ الشيخ محمّد بن راشد كلّ عام هلال الشهر الفضيل هي من خير الأعمال الشاهدة على الأداء المتميّز لهذه المبادرات، لتكون هذه المبادرة الجديدة تتويجاً لجهودٍ سابقة، تهدف فيما تهدف إلى ما ذكره سموه هنا من العناية بالأطفال الّذين يعانون من سوء التغذية ومكافحة الجوع الّذي يفتك بالملايين من البشر، وذلك بالاستفادة من شجرة النخيل المباركة وإنتاج 150 مليون وحدة غذائيّة ستكون خير قوت وأفضل زاد يتمّ تقديمه إلى هذه الأرواح الّتي أنهكها الجوع، واستنزفتها المسغبة.
«حبانا الله في الإمارات والمنطقة بهذه النخلة، عشنا عليها وعاشت عليها الكثير من المجتمعات، واليوم نسعى لتحويلها إلى منتج غذائيٍّ عالي القيمة يساهم في مكافحة الجوع حول العالم، والله الموفّق أوّلاً وآخراً» واعترافاً بهذه النعمة السابغة الّتي أسبغها الله تعالى على الإمارات وأهلها حين جعلها موطناً لشجرةٍ كريمةٍ هي النخلة المباركة الّتي امتنّ بها على الخلق بقوله في وصف جمال الأرض وبركاتها وخيراتها: {والأرض وضعها للأنام * فيها فاكهة والنخل ذات الأكمام} يؤكِّدُ صاحب السمو الشيخ محمّد بن راشد أنّ هذه النعمة الّتي حبانا الله بها هي مما يستوجب الشكر، فقد عاشت عليها أجيالٌ ومجتمعات، وأنّ من واجبنا أن نستثمر فيها بكلّ طاقة، ولا مشروع أفضل من تحويل هذه النعمة إلى منتجٍ غذائيٍّ عالي القيمة الغذائيّة يُسهم بشكلٍ فاعل في تجفيف منابع الجوع ويواجه معضلة سوء التغذية، ويكون خير هديّة من الإمارات وشعبها الطيّب الأصيل لكلّ كبدٍ جائعة وعينٍ باكية من لذعة الجوع، فيكون هذا الصّنيع المبارك سبباً لحفظ النعمة وزيادة الخير على هذا البلد الأصيل الّذي نشأ مبسوط الكفّ بالعطاء وإغاثة الملهوف وتفريج كربة المكروب، لتظلّ الإمارات كما أرادها زايد الخير نبع عطاء ومكرمة وإحسان.



شريط الأخبار