دبي .. مركز عالمي للأعمال رغم الاعتداءات السافرة

د. أمل عبدالله الهدابي
شهدت المنطقة في الفترة الأخيرة تصعيداً غير مسبوق نتيجة الاعتداءات الإيرانية السافرة، التي طالت عدداً كبيراً من دول المنطقة، وهو ما دفع بعض التحليلات الإعلامية المضللة إلى تصوير المشهد وكأن المدن الاقتصادية الرائدة في منطقة الخليج العربي.
وعلى رأسها دبي، تواجه أزمة خطيرة أو فقدان مكانتها مركزاً عالمياً للأعمال، غير أن مثل هذه الادعاءات لا تمت للواقع بصلة، ولا تستند إلى أي تحليل واقعي لطبيعة النظام الاقتصادي الإماراتي، وقدرة المراكز المالية الكبرى مثل دبي على التكيف مع التحديات والأزمات الطارئة.

في الواقع لم يعد العالم اليوم يعرف ما يمكن وصفه بدولة محصنة بالكامل من المخاطر الطارئة، فالتطورات العسكرية والتكنولوجية، بما في ذلك الصواريخ بعيدة المدى والطائرات المسيّرة والهجمات السيبرانية، وقبل ذلك الهجمات الإرهابية، جعلت التهديدات عابرة للحدود الجغرافية.
ولذلك فإن التوترات التي تشهدها المنطقة لا تعني أن المخاطر محصورة في الشرق الأوسط وحده، بل إن العديد من الدول والمراكز الاقتصادية العالمية تواجه بدورها تحديات أمنية وجيوسياسية متزايدة، وحتى الدول التي تعد تاريخياً رموزاً للاستقرار والحياد، مثل سويسرا، لم تعد بمنأى كامل عن التداعيات غير المباشرة للصراعات الدولية.

في هذا السياق، يصبح المعيار الحقيقي لقياس قوة أي مركز اقتصادي ليس غياب المخاطر بل القدرة على مواجهتها بكفاءة ومرونة عاليتين، وهنا تحديداً تبرز تجربة دبي، التي نجحت على مدار العقود الماضية في بناء نموذج اقتصادي يقوم على التنوع والانفتاح والمرونة المؤسسية.
فقد تحولت الإمارة إلى مركز عالمي للمال والأعمال والتجارة والخدمات، بفضل ما تمتلكه من بنية تحتية متقدمة، وبيئة تشريعية مرنة، وموقع جغرافي يربط بين آسيا وأوروبا وأفريقيا، وهي السمات التي تميزها عن كافة منافسيها.

إن قوة دبي الحقيقية لا تكمن فقط في موقعها أو بنيتها التحتية، بل في قدرتها على التعامل مع الأزمات، وما توفره من مرونة عالية، فقد مرت المدينة خلال العقود الماضية بعدد من التحديات الدولية الكبرى، من الأزمات المالية العالمية إلى جائحة «كوفيد 19».
وقد استطاعت في كل مرة أن تعزز مكانتها مركزاً عالمياً رئيسياً للأعمال ووجهة مفضلة للاستثمارات، وكانت تخرج من كل أزمة وهي أقوى مما كانت، وهذا النوع من المرونة المؤسسية يعد عنصراً حاسماً في استمرار تفوقها في عالم يتسم بارتفاع مستويات عدم اليقين.

ومن منظور اقتصادي أوسع، تظهر التجربة العالمية أن الأزمات غالباً ما تعزز دور المراكز الأكثر مرونة وانفتاحاً بدلاً من أن تقوضها، ففي أوقات الاضطراب يبحث المستثمرون والشركات عن البيئات التي توفر قدراً أكبر من الاستقرار التنظيمي وسهولة ممارسة الأعمال، وهي عوامل تتفوق فيها دبي بفضل تمتعها بمزايا تنافسية واضحة مقارنة بالعديد من المدن الأخرى.
لهذا السبب فإن التوترات الراهنة لن تؤثر على مكانة دبي، بقدر ما تؤكد في كثير من الأحيان أهمية النموذج الذي بنته الإمارة خلال العقود الماضية، فدبي لم تصبح مركزاً عالمياً للأعمال بسبب ظروف أو عوامل مؤقتة، بل نتيجة استراتيجية طويلة الأمد، قامت على بناء اقتصاد متنوع، ومؤسسات قادرة على التكيف مع المتغيرات الدولية.
في نهاية المطاف يظل الضجيج الإعلامي في أوقات الأزمات جزءاً طبيعياً من المشهد، لكن القرارات الاقتصادية والاستثمارية الكبرى تبنى عادة على تقييمات طويلة المدى وليس على عناوين اللحظة، ومن هذا المنطلق تظل دبي اليوم كما كانت دوماً مدينة تمتلك كافة المقومات اللازمة لبقائها في صدارة أهم وجهات الأعمال في العالم، حتى في ظل بيئة دولية، تتسم بقدر متزايد من التعقيد وعدم اليقين.



شريط الأخبار