د. موزة غباش
يكشف العطاء دائماً عن جوهر الأمم أكثر مما تكشفه الخطب والشعارات، وحين أتأمل المشهد الإماراتي اليوم، أرى أن سر هذه الدولة العظيمة، قد بُني على النفوس المعطاءة، التي آمنت منذ البدايات بأن الإنسان هو الثروة الحقيقية، وأن بناء المجتمع يبدأ من قيمة أخلاقية عميقة، اسمها العطاء.
هذه القيمة سكنت وجدان الإماراتيين منذ زمن بعيد، وعاشت في تفاصيل «الفريج» وفي المجالس، وفي طريقة الناس في الوقوف مع بعضهم البعض وقت الشدة والرخاء، لقد عرف أجدادنا معنى الفزعة، وأدركوا أن المجتمع القوي يقوم على التكاتف، ولذلك جاءت مسيرة الوالد المؤسس، الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، امتداداً عظيماً لهذه الروح، حين جعل العطاء نهج دولة، ورؤية حضارية، ورسالة إنسانية تتجاوز حدود الجغرافيا.
واليوم تمتد هذه الروح في نهج صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان رئيس الدولة، حفظه الله، الذي رسخ فكرة أن قوة الدولة تبدأ من كرامة الإنسان، وأن العطاء الحقيقي هو الذي يصنع الاستقرار والأمان والطمأنينة في حياة الناس.. ومن يتأمل حضور سموه في وجدان الإماراتيين، يدرك كيف تحولت العلاقة بين القيادة والشعب إلى رابطة إنسانية عميقة، قوامها الثقة والرعاية والشعور الدائم بأن الإنسان يأتي أولاً.
وحسب ذات النهج، يواصل صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة، رئيس مجلس الوزراء، حاكم دبي، رعاه الله، صياغة فلسفة إماراتية استثنائية في العطاء، تقوم على تحويل الخير إلى عمل مؤسسي مستدام، يمتلك رؤية وتأثيراً طويل المدى. ومن يتابع مبادرات سموه، يدرك كيف تتحول الفكرة الإنسانية إلى مشروع عالمي يلامس حياة الملايين، سواء عبر التعليم، أو مكافحة الجوع، أو دعم المعرفة، أو بناء المستشفيات، أو تمكين المجتمعات الأقل حظاً.
إن أجمل ما حققته الإمارات أنها نقلت العطاء من مساحة المبادرات الفردية، إلى ثقافة مؤسسية ناضجة، تمتلك رؤية واستدامة وأثراً بعيد المدى.. ولهذا أصبحت المؤسسات الاجتماعية والثقافية في الدولة جزءاً من مشروع وطني متكامل، يهدف إلى حماية الإنسان، وترسيخ الهوية، وصناعة الوعي، وفتح أبواب المستقبل أمام الأجيال الجديدة.
وفي رواق عوشة بنت حسين الثقافي، نؤمن أن شركاء العطاء يمثلون جزءاً أصيلاً من هذه الحكاية الإماراتية الملهمة، فكل مشروع ثقافي ناجح، وكل مبادرة اجتماعية صنعت فرقاً حقيقياً، وقفت خلفها قلوب آمنت بالفكرة، وقدمت وقتها وجهدها وخبرتها وإيمانها برسالة الثقافة والمعرفة.. ولذلك يبدو التكريم في نظري فعلاً من أفعال الوفاء، قبل أن يكون مناسبة احتفالية.
إن تقدير أصحاب الأثر يخلق علاقة أعمق بكثير من مفهوم الدعم التقليدي، حين يشعر الشريك أن أثره حاضر، وأن مساهمته صنعت فرقاً في حياة الناس، يتحول إلى جزء من كيان المؤسسة نفسها، ويحمل رسالتها، كما يحمل الإنسان قناعته الشخصية، وهذه الثقة المتبادلة هي التي تمنح العمل الاجتماعي والثقافي قدرته على الاستمرار والنمو.
كما أن ثقافة التكريم تفتح الباب أمام الابتكار.. كثير من الشركاء يمتلكون خبرات واسعة وأفكاراً خلاقة، وحين يجدون بيئة تقدر مبادراتهم، تتوسع مساحة الإبداع، وتظهر حلول جديدة، تتجاوز الدعم المالي إلى بناء مشاريع نوعية أكثر تأثيراً واستدامة.. ومن هنا تنشأ الشراكات الحقيقية التي تصنع فرقاً طويل الأمد في المجتمع.
وأقف كثيراً عند الدور الكبير الذي يؤديه أصحاب الأثر في حماية القوة الناعمة لدولة الإمارات، فدعم الثقافة والتراث والمعرفة، يحمل قيمة استراتيجية عميقة، لأنه يحفظ الذاكرة الوطنية، ويمنح الأجيال الجديدة فرصة الاتصال بجذورها، وسط عالم سريع التحول. وحين تستمر المؤسسات الثقافية في أداء رسالتها بفضل هذا الدعم، فإنها تسهم في ترسيخ صورة الإمارات كدولة تحمل مشروعاً حضارياً متكاملاً، يقوم على الإنسان والمعرفة والانفتاح.
أقترح على مؤسساتنا جميعاً، أن تجعل الشريك جزءاً من الرؤية، حيث إن مشاركة أصحاب الأثر في صناعة القرار، وفي تطوير الأفكار، وفي رسم الاتجاهات المستقبلية، قد يوسع دائرة المسؤولية المشتركة، ويتحول العمل المجتمعي إلى مشروع وطني مفتوح، يشارك فيه الجميع.
لقد علمتنا الإمارات أن البناء الحقيقي يحتاج إلى قلوب تعرف كيف تعطي قبل أن تأخذ، وأن الأوطان العظيمة ترتفع بأهلها الذين يزرعون الأثر بصمت وإخلاص.. ولهذا فإن كل كلمة شكر تقال لأصحاب العطاء، تحمل في داخلها تقديراً لمسيرة كاملة من الوفاء والعمل والإيمان بالإنسان. وأشعر دائماً أن أجمل ما يمكن أن نورثه للأجيال القادمة، هو هذه الروح الإماراتية النبيلة، روح ترى في الثقافة مسؤولية، وفي العطاء رسالة، وفي الشراكة طريقاً نحو مستقبل أكثر إنسانية ووعياً وتماسكاً.
الرجاء الانتظار ...